باب في الحرام والريبة وأحكام ذلك
الجزء ٣٤ · صفحة ٩٢، وَتَارَةً يُكَرِّهُ لِخَوْفِ مَفْسَدَةٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَالْقُبْلَةِ لِصَائِمٍ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ ، وَتَرْكُهُمْ التَّنَعُّمَ مِنْ هَذَا لِأَنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ حَالِيَّةٌ كَالرُّكُونِ إلَى الدُّنْيَا وَمَآلِيَّةٌ كَالْحِسَابِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الشُّبْهَةِ وَرَعٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا ﴿ دَعْهَا ﴾ وَقَوْلُهُ لِسَوْدَةِ : ﴿ احْتَجِبِي مِنْ ابْنِ وَلِيدَةِ أَبِيكَ زَمْعَةَ ﴾ إذَا دَعَاهُ أَبُوهَا وَعَمُّهَا لَمَّا رَأَى شَبَهَهَا بِعَمِّهَا ، وَقَدْ أَلْحَقَهُ بِأَبِيهَا لِلْفِرَاشِ ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي الِاحْتِيَاطُ فِي النَّوَازِلِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ لِاشْتِبَاهِ أَسْبَابِهَا عَلَيْهِ وَالْحَرَامُ بَاقٍ عَلَى الْحُرْمَةِ لَا تَزُولُ بِشَكٍّ [ فِي ] زَوَالِ سَبَبِ الْحُرْمَةِ ، وَكَذَا الْعَكْسُ لِحَدِيثِ : ﴿ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ﴾ ، وَمَا احْتَمَلَهُمَا وَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا إلَّا حُسْنُ التَّنَزُّهِ عَنْهُ كَمَا تَنَزَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَمْرَةٍ سَاقِطَةٍ فِي بَيْتِهِ ، وَقَالَ : ﴿ لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا ﴾ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ : ﴿ لَا يَكُونُ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَتْرُكَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا فِيهِ الْبَأْسُ ﴾ ، وَجَاءَ فِي الْأَثَرِ " : مَنْ وَقَفَ مَوْقِفَ تُهْمَةٍ فَلَا يَأْمَنُ إسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمِ .
وَمَرَّ رَجُلَانِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَعَ امْرَأَةٍ فَقَالَ لَهُمَا : ﴿ إنَّهَا صَفِيَّةُ ﴾ خَافَ أَنْ يَظُنَّا وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمَّا اسْتَبْعَدَا مِنْهُ ذَلِكَ قَالَ لَهُمَا : ﴿ إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ ﴾ ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ بِأَخْذِ شُبْهَةٍ أَوْ أَكْلِهَا فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا