شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل في التهمة

الجزء ٣٤ · صفحة ١٢٠

فَصْلٌ فِي التُّهَمَةِ و " التَّاءُ " بَدَلٌ مِنْ " الْوَاوِ " لِأَنَّهُ مِنْ الْوَهْمِ ، وَهِيَ : ظَنُّ الْحَرَامِ أَوْ الْمَكْرُوهِ أَوْ مَا تَكْرَهُهُ النَّفْسُ بِالْغَيْرِ ، يُقَالُ : اتَّهَمْتُهُ بِكَذَا ، ظَنَنْتُهُ بِهِ فَهُوَ تَهِيمٌ ، وَاتَّهَمْتُهُ فِي قَوْلِهِ : شَكَكْتُ فِي صِدْقِهِ ، وَالِاسْمُ التُّهَمَةُ - بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ - وَسُكُونِ الْهَاءِ - لُغَةٌ حَكَاهَا الْفَارَابِيُّ ( حُرِّمَ عَلَى مُسْلِمٍ ) وَكَذَا الْمُنَافِقِ وَالْمُشْرِكِ ، وَخُصَّ بِالذَّكَرِ ، لِأَنَّهُ الْمُنْتَفِعُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْوَعْظِ ، مَعَ أَنَّهُ لَا لَبْسَ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ وَالْمُنَافِقَ مُكَلَّفَانِ ، وَقِيلَ فِي الْمُشْرِكِ : لَمْ يُكَلَّفْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ بَلْ بِأَصْلِهَا ، فَإِذَا أَتَى بِهِ كُلِّفَ بِغَيْرِهِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَهَذِهِ الْحُرْمَةُ لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ ، بَلْ قِيلَ : مَعْصِيَةٌ صَغِيرَةٌ ، وَقِيلَ : يَعْلَمُ اللَّهُ مَا هِيَ صَغِيرَةٌ أَمْ كَبِيرَةٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُحَرَّمٍ كَبِيرَةً .

فَإِنَّ الصَّغَائِرَ مُحَرَّمَةٌ ، وَكَذَا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا يُعْلَمُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً ، لَا نَجْزِمُ بِأَنَّهَا كَبَائِرُ مَعَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ ، إلَّا إنْ كَانَ عَمَلَ مَا يُتَّهَمُ فِيهِ بِسُوءٍ يُؤَدِّي إلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ أَوْ إفْسَادِ الْأَمْوَالِ أَوْ الطَّعْنِ فِي دِينِنَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ إنْ قَصَدَ الْعَامِلُ لِمَا يَتَّهِمُ بِهِ ذَلِكَ ، أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ عَمَلُهُ ( أَنْ يَعْمَلَ ) بِجَارِحَةٍ ، أَوْ لِسَانِهِ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ أَوْ يُشِيرَ بِهِ كَإِخْرَاجِهِ هُزُؤًا ( مَا يَتَّهِمُ فِيهِ ) ، أَيْ بِسَبَبِهِ وَعَبَّرَ بِ " فِي " كَرَاهَةَ أَنْ يَجْتَمِعَ الْبَاءَانِ وَلَوْ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُمَا ، وَلَوْ عَبَّرَ لَجَازَ ، لِأَنَّ " الْبَاءَ " فِي قَوْلِهِ : ( بِسُوءٍ ) غَيْرُ سَبَبِيَّةٍ بَلْ لِلتَّعْدِيَةِ ، وَسَوَاءٌ فِي السُّوءِ الْكَبِيرَةُ وَالصَّغِيرَةُ وَالْمَكْرُوهُ وَمَا لَا يَنْبَغِي إذَا كَانَتْ تُهْمَتُهُ بِهِمَا تَضُرُّهُ أَوْ تَضُرُّ الْإِسْلَامَ ( وَلَا أَجْرَ لَهُ إنْ عَمِلَ ) مَا يُتَّهَمُ بِهِ ( وَاتُّهِمَ )

١٦٬٦٢٠ / ١٧٬٤٣٨