فصل في التهمة
الجزء ٣٤ · صفحة ١٢١لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّ إلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ ، وَلَا أَجْرَ لَهُ أَيْضًا إنْ عَمِلَ فَقِيلَ فِيهِ قَوْلُ سُوءٍ .
وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي كَلَامِهِ ، لِأَنَّهُ إذَا اتَّهَمَهُ الْمُتَّهَمُ فِي قَلْبِهِ فَذَلِكَ هُوَ التُّهْمَةُ ، سَوَاءٌ ذَكَرَهُ أَيْضًا بِلِسَانِهِ بِذَلِكَ السُّوءِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُهُ بِلِسَانِهِ إذَا اتَّهَمَهُ وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ يَقُلْ مَا اُتُّهِمَ بِهِ ، وَقِيلَ عَمَّنْ مَضَى : مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ يُتَّهَمُ ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمِثْلُهُ لِابْنِ حَجَرٍ وَنَصُّهُ : وَجَاءَ فِي " الْأَثَرِ " : " مَنْ وَقَفَ مَوْقِفَ تُهْمَةٍ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : " مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمِ فَلَا يَأْمَنْ مِنْ إسَاءَةِ الظَّنِّ بِهِ " ، وَالْأَثَرُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ مَا وَقَفَ عَلَى الصَّحَابِيِّ وَلَمْ يُرْفَعْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ فَذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابَةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - ، اتَّصَلَ الْإِسْنَادُ إلَى الصَّحَابِيِّ أَوْ لَمْ يَتَّصِلْ ، وَقِيلَ : إنْ اتَّصَلَ فَمَوْقُوفٌ ، وَإِلَّا فَأَثَرٌ ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ عَبْدَ الْحَمِيدِ الْجَنَاوَنِيَّ أَخْرَجَ الْحَقَّ مِنْ رَجُلٍ عَلَى التُّهْمَةِ فَخَرَجَ الْفَاعِلُ غَيْرَهُ ، فَقَالَ الْمَضْرُوبُ : ظَلَمْتنِي يَا ابْنَ فحمس ، فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَظْلِمَك ابْنُ فحمس ، وَإِنَّمَا أَنْتَ الظَّالِمُ نَفْسَكَ إذْ جَعَلْتَهَا فِي مَوَاضِعِ التُّهْمَةِ .
( وَجَازَ اتِّهَامُ دَاخِلِ مَدَاخِلِ السُّوءِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ) ، وَمَعْنَى جَوَازِ اتِّهَامِهِ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى مُتَّهِمِهِ ، كَمَا قَالَ : ( وَلَا يَأْثَمُ مُتَّهِمُهُ أَوْ حَابِسُهُ عَلَى تُهْمَةٍ ) ، وَإِلَّا فَالِاتِّهَامُ لَيْسَ كَسْبِيًّا بَلْ ضَرُورِيًّا إلَّا أَنَّ الْإِنْصَاتَ لِخُطُورِهِ فِي الْقَلْبِ وَإِثْبَاتَهُ وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ بِالْقَلْبِ كَسْبِيَّاتٌ ، أَوْ أَرَادَ بِالْجَوَازِ جَوَازَ بَقَائِهِ عَلَى التُّهْمَةِ وَإِذْعَانِهِ إلَيْهَا وَإِضَافَةِ " مَدَاخِلِ " إلَى السُّوءِ لِلْحَقِيقَةِ