باب في أركان الدين
الجزء ٣٤ · صفحة ١٦٢جَعَلَ الرُّوحَ وَالْفَرَجَ فِي الرِّضَى وَالْيَقِينِ ، وَجَعَلَ الْغَمَّ وَالْحُزْنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ } وَاعْلَمْ أَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُنَاقِضُ الرِّضَى ، وَكَذَا كَرَاهَةُ الْمَعَاصِي وَبُغْضُ أَهْلِهَا وَأَسْبَابِهَا وَالنَّهْيُ عَنْهَا ، وَقَدْ أَعْلَمْتُك أَنَّهُ يَجِبُ الرِّضَى بِالْقَضَاءِ بِالْمَعَاصِي ، وَيَجِبُ الِانْقِلَاعُ عَنْهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ رِضًى بِهَا وَحُبًّا لَهَا كَمَا تَوَهَّمَ بَعْضٌ فَرَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ، وقَوْله تَعَالَى : ﴿ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ ﴾ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ اخْتِيَارُ الْمُعَاصِي وَالْعَمَلُ بِهَا لَا الرِّضَى بِالْقَضَاءِ بِهَا ، فَالرِّضَى بِالْقَضَاءِ رِضًى بِفِعْلِ اللَّهِ ، وَالْكَرَاهَةُ بُغْضٌ لِتَنَاوُلِهَا ، وَفِي الْخَبَرِ : ﴿ مَنْ شَهِدَ مُنْكَرًا فَرَضِيَ بِهِ فَكَأَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ ﴾ ، وَفِي الْحَدِيثِ : ﴿ الدَّالُ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ ﴾ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الدَّالَ عَلَى الشَّرِّ كَفَاعِلِهِ ، وَمِنْ عَدَمِ الرِّضَى أَنْ يَقُولَ : هَذَا يَوْمٌ حَارٌّ ، إذَا قَالَهُ فِي مَعْرَضِ الشِّكَايَةِ ، وَإِنْ قَالَهُ فِي الشِّتَاءِ فَشُكْرٌ .
كَذَا قَوْلُ الْقَائِلِ : الْفَقْرُ بَلَاءٌ وَمِحْنَةٌ ، وَالْعِيَالُ هَمٌّ وَتَعَبٌ ، وَذَلِكَ قَادِحٌ فِي الرِّضَى بَلْ يُسَلِّمُ الْأَمْرَ لِمُدَبِّرِهِ ، كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا أُبَالِي أَصْبَحْت غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا خَيْرٌ لِي وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِرَارَ مِنْ مَظَانِّ الْمَعَاصِي ، وَالْمَوْتِ لَيْسَ خُرُوجًا عَنْ الرِّضَى ، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ الْخُرُوجِ عَنْ الطَّاعُونِ لِئَلَّا يَبْقَى الْمَرْضَى بِلَا قَائِمٍ بِهَا ، وَجَاءَ أَنَّ مَنْ قَارَبَهُ لَهُ الذَّهَابُ عَنْهُ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْأَفْضَلُ مَنْ يُحِبُّ الْمَوْتَ شَوْقًا إلَى لِقَاءِ اللَّهِ ، أَوْ يُحِبُّ الْبَقَاءَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ أَوْ مَنْ قَالَ : لَا أَخْتَارُ بَلْ أَرْضَى بِمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لِي وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فَقَالَ : صَاحِبُ الرِّضَى أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَقَلُّ فُضُولًا ، قَالَ