شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في أركان الدين

الجزء ٣٤ · صفحة ١٨٠

الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ إمَّا لِجَلْبِ نَافِعٍ مَفْقُودٍ يُحَصِّلُهُ بِالْكَسْبِ أَوْ لِحِفْظِ مَوْجُودٍ يَصُونُهُ بِالْإِدْخَارِ ، أَوْ دَفْعِ ضَارٍ لِئَلَّا يَنْزِلُ بِهِ كَاللِّصِّ وَالسَّبُعِ أَوْ لِإِزَالَتِهِ إنْ نَزَلَ بِهِ كَالتَّدَاوِي مِنْ مَرَضٍ ، فَمَقْصُودُ حَرَكَةِ الْعَبْدِ لَا يَعْدُو هَذِهِ الْوُجُوهَ ، أَمَّا جَلْبُ نَافِعٍ فَيَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : .

أَحَدُهَا مَقْطُوعٌ بِهِ كَالْأَسْبَابِ الْمُرْتَبِطِ بِهَا الْمُسَبَّبَاتُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ارْتِبَاطًا مُطَّرِدًا لَا يَتَخَلَّفُ وَلَا يَخْتَلِفُ ، كَالطَّعَامِ الْمَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْ جَائِعٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَلَا يَمُدُّ الْيَدَ إلَيْهِ فَيَقُولُ : أَنَا مُتَوَكِّلٌ ، وَشَرْطُ التَّوَكُّلِ تَرْكُ السَّعْيِ ، وَمَدُّ الْيَدِ سَعْيٌ وَحَرَكَةٌ ، وَكَذَا مَضْغُهُ فَهَذَا جُنُونٌ وَلَيْسَ مِنْ التَّوَكُّلِ ، فَإِنَّهُ إنْ انْتَظَرَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهِ شِبَعًا دُونَ أَكْلٍ وَدُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ إلَيْهِ ، أَوْ أَنْ يُسَخِّرَ اللَّهُ لَهُ مَلَكًا يَمْضُغُهُ لَهُ فَقَدْ جَهِلَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَمِعَ فِي زَرْعٍ بِغَيْرِ بَذْرٍ وَلَا حَرْثٍ ، وَفِي وَلَدٍ بِلَا جِمَاعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ ، وَمَنْ ظَنَّ ذَلِكَ فَهُوَ إلَى الْعَقْلِ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى الْمَعْرِفَةِ ، فَلَيْسَ التَّوَكُّلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِالْعَمَلِ ، بَلْ بِالْحَالِ وَالْعِلْمِ ، أَمَّا الْعِلْمُ فَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الطَّعَامَ وَالْيَدَ ، وَأَنَّهُ الَّذِي يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ ، وَأَمَّا الْحَالُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ سُكُونُهُ وَاعْتِمَادُهُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى الْيَدِ وَالطَّعَامِ إذْ تَجِفُّ الْيَدُ وَيُسْلَبُ الطَّعَامُ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا كَانَ عِلْمُهُ وَحَالُهُ هَكَذَا فَلْيَمُدَّ الْيَدَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ مُتَوَكِّلٌ الثَّانِي : الْأَسْبَابُ غَيْرُ الْمُتَعَيِّنَةِ ، لَكِنْ الْغَالِبُ أَنَّ الْمُسَبَّبَ لَا يَحْصُلُ دُونَهَا كَمُسَافِرٍ فِي الْبَادِيَةِ بِلَا زَادٍ فَهَذَا مُتَوَكِّلٌ بِشَرْطَيْنِ .

أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَاضَ نَفْسَهُ عَلَى

١٦٬٦٨٠ / ١٧٬٤٣٨