شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في أركان الدين

الجزء ٣٤ · صفحة ١٧٩

إلَى غَيْرِهِ .

وَأَمَّا حُسْنُ التَّوَكُّلِ الْبَاعِثِ عَلَيْهِ فَهُوَ ذِكْرُ ضَمَانِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحِصْنُ التَّوَكُّلِ ذِكْرُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَمَالُ قُدْرَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ عَنْ الْخُلْفِ وَالسَّهْوِ وَالْعَجْزِ ، فَإِذَا وَاظَبَ الْقَلْبُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي بَعَثَتْهُ عَلَى التَّوَكُّلِ فِي أَمْرِ الرِّزْقِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَرَنَهُ بِالْخَلْقِ فَقَالَ : ﴿ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ تَعَالَى كَالْخَلْقِ ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِالْأَدِلَّةِ حَتَّى وَعَدَ فَقَالَ : ﴿ إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ﴾ ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِالْوَعْدِ حَتَّى ضَمِنَ فَقَالَ : ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِالضَّمَانِ حَتَّى أَقْسَمَ فَقَالَ : ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى أَمَرَ بِالتَّوَكُّلِ فَأَبْلَغَ وَأَنْذَرَ وَقَالَ : ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ ، فَمَنْ لَمْ يَعْبَأْ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِوَعْدِهِ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ لِضَمَانِهِ وَلَمْ يَقْنَعْ بِقَسَمِهِ وَلَمْ يُبَالِ بِأَمْرِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَانْظُرْ مَاذَا يَكُونُ حَالُهُ .

قَالَ الْحَسَنُ : لَعَنْ اللَّهُ أَقْوَامًا أَقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ ، وَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ : ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ ﴾ إلَخْ : هَلَكَتْ بَنُو آدَمَ أَغْضَبُوا رَبَّهُمْ حَتَّى أَقْسَمَ لَهُمْ عَلَى أَرْزَاقِهِمْ وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَاهِلَ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَى التَّوَكُّلِ هُوَ تَرْكُ الْكَسْبِ بِالْبَدَنِ وَالتَّدْبِيرِ بِالْقَلْبِ وَالسُّقُوطِ عَلَى الْأَرْضِ كَالْخِرْقَةِ الْمُلْقَاةِ ، وَكَاللَّحْمِ عَلَى الْوَضْمِ ، وَهَذَا ظَنُّ الْجَاهِلِ ، وَذَلِكَ حَرَامٌ فِي الشَّرْعِ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْنَى عَلَى الْمُتَوَكِّلِينَ فَكَيْفَ يُنَالُ مَقَامٌ مِنْ مَقَامَاتِ الدِّينِ بِارْتِكَابِ مُحَرَّمَاتِهِ ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ التَّوَكُّلِ فِي حَرَكَةِ الْعَبْدِ وَسَعْيِهِ بِعِلْمِهِ إلَى مَقَاصِدِهِ ، وَذَلِكَ مَحْصُورٌ فِي أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :

١٦٬٦٧٩ / ١٧٬٤٣٨