باب في أركان الدين
الجزء ٣٤ · صفحة ١٨٣وَالثِّقَةُ بِالْمَوْجُودِ سُوءُ الظَّنِّ بِالْمَعْبُودِ ، وَأَمَّا دَفْعُ ضَارٍ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ فَفَرْضٌ كَلِصٍّ وَسَبُعٍ وَبَرْدٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ ، وَقَدْ ظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ وَاِتَّخَذَ خَنْدَقًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَأَقَامَ الرُّمَاةَ يَوْمَ أُحُدٍ لِيَحْفَظُوا مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَيَلْبَسُ لَأْمَةَ الْحَرْبِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ ، وَأَمَّا إزَالَةُ ضَارٍ قَدْ نَزَلَ بِهِ فَذَلِكَ مُبَاحٌ ، كَالتَّدَاوِي مِنْ الْأَمْرَاضِ ، وَقَدْ أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُدَاوَاةِ وَقَالَ : ﴿ إنَّ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ قَدْ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ ﴾ ، وَيُقَالُ : إنَّهُ شَرِبَ السِّنَاءَ بِالتَّمْرِ وَاسْتَعَاطَ بِالسِّمْسِمِ ، وَقَدْ ذَكَرْت كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِي " تُحْفَةِ الْحُبِّ فِي أَصْلِ الطِّبِّ " وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ يَا رَبِّ ، مِمَّنْ الدَّاءُ ؟ قَالَ : مِنِّي ، قَالَ : فَمِمَّنْ الدَّوَاءُ ؟ قَالَ : مِنِّي ، قَالَ : فَمَا يَنْفَعُ الْأَطِبَّاءُ ؟ قَالَ : يُطَيِّبُونَ قُلُوبَ عِبَادِي ﴾ .
فَلْيَتَوَقَّعْ الْعَبْدُ الشِّفَاءَ مِنْ اللَّهِ رَبِّ الدَّوَاءِ ، وَلَا يَنْظُرْ إلَى نَفْسِ الدَّوَاءِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ اسْتَرْقَى أَوْ اكْتَوَى فَقَدْ بَرِئَ مِنْ التَّوَكُّلِ " ، وَقَوْلِهِ : " لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنْ اسْتَرْقَى وَاكْتَوَى " مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتَوَكِّلًا عَلَى الرُّقْيَةِ وَالْكَيَّةِ ، وَأَمَّا مَنْ اكْتَوَى أَوْ اسْتَرْقَى ، وَأَيْقَنَ أَنَّ النَّفْعَ بِهِمَا مِنْ اللَّهِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَنْفَعَاهُ فَمُتَوَكِّلٌ ، وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ الدَّوَاءَ .
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ وَمَعَهُمْ الرَّهْطُ وَنَبِيٌّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَقُلْت : مَا هَذَا ؟ هَذِهِ أُمَّتِي ؛ قِيلَ : هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ ، قِيلَ لِي : اُنْظُرْ إلَى الْأُفُقِ