باب في أركان الدين
الجزء ٣٤ · صفحة ١٨٦الْأَجْحِرَةِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ كَالضَّبِّ وَسَائِرِ الْحَشَرَاتِ تَنْشَأُ فِي أَجْحِرَتِهَا وَتَمُوتُ فِيهَا ، ثُمَّ جَمَعُوا لَهُ بَيْنَ الْقَدَرِ وَالطَّلَبِ فَقَالُوا : إنَّهُمَا كَالْعِدْلَيْنِ عَلَى الظَّهْرِ إنْ حُمِّلَ فِي أَحَدِهِمَا أَرْجَحَ مِمَّا حُمِّلَ فِي الْآخَرِ تَعِبَ الظَّهْرُ وَسَقَطَ الْحِمْلُ ، وَإِنْ عَادَلَ بَيْنَهُمَا سَلِمَ الظَّهْرُ وَنَجَحَ السَّفَرُ وَضَرَبُوا فِي ذَلِكَ مَثَلًا عَجِيبًا ، وَقَالُوا : إنَّ أَعْمَى وَمُقْعَدًا كَانَا فِي قَرْيَةٍ مَعَ فَقْرٍ وَضَرَرٍ وَلَا قَائِدَ وَلَا حَامِلَ ، وَكَانَ فِيهَا مُحْتَسِبٌ يُطْعِمُهُمَا كُلَّ يَوْمٍ قُوتَهُمَا فَلَمْ يَزَالَا فِي عَافِيَةٍ إلَى أَنْ مَاتَ الْمُحْتَسِبُ ، فَلَبِثَا بَعْدَهُ أَيَّامًا ، وَاشْتَدَّ جَوْعُهُمَا وَبَلَغَ الضُّرُّ جَهْدَهُ مِنْهُمَا فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمَا إلَى أَنْ يَحْمِلَ الْأَعْمَى الْمُقْعَدَ فَيَدُورَانِ فِي الْقَرْيَةِ يَسْتَطْعِمَانِ أَهْلَهَا ، فَفَعَلَا ، فَنَجَحَ أَمْرُهُمَا ، فَكَذَلِكَ الْقَدَرُ سَبَبُهُ الطَّلَبُ ، وَالطَّلَبُ سَبَبُهُ الْقَدَرُ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُعِينٌ لِصَاحِبِهِ ، فَأَخَذَ الْمَلِكُ فِي الطَّلَبِ فَظَفَرَ بِأَعْدَائِهِ وَرَجَعَ إلَى مُلْكِهِ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا تَدَعْنَ الطَّلَبَ اتِّكَالًا عَلَى الْقَدَرِ ، وَلَا تُجْهِدْنَ نَفْسَكَ فِي الطَّلَبِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ مُسْتَهِينًا بِالْقَدَرِ ، وَإِذَا أَجْهَدْتَ نَفْسَكَ بِوُجُوهِ التَّدْبِيرِ مُصَدِّقًا بِالْقَدَرِ نِلْت مَا تُحَاوِلُ ، وَإِنْ الْتَوَتْ مَعَ ذَلِكَ الْأُمُورُ فَذَلِكَ مِنْ عَوْقِ الْقَدَرِ ، وَإِنَّك قَدْ أَتَيْت ذَنْبًا فَتَفَقَّدْ جَوَارِحَك وَتُبْ إلَى رَبِّك مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَاخْرُجْ مِنْ كُلِّ مَظْلِمَةٍ ، فَإِذَا أَنْتَ فَعَلْت قَابَلَك الْحَظُّ وَسَاعَدَك الْقَدَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَيْسَ الْكَسْبُ أَوْ الْحَذَرُ مُغْنِيًا شَيْئًا بَلْ إذَا لَمْ يُطَابِقَا الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ كَانَا ذَهَابًا إلَى الْمَحْذُورِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : .
وَإِذَا خَشِيت مِنْ الْأُمُورِ مُقَدَّرًا وَفَرَرْت مِنْهُ نَحْوَهُ تَتَوَجَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ أُخِذَ فَارٌّ عَنْ السُّلْطَانِ وَكَانَ يَخْدُمُهُ فَسِيقَ إلَيْهِ فِي