باب في أركان الدين
الجزء ٣٤ · صفحة ١٨٥ظَهَرَ أَثَرُهُ فِيهِمْ ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ أَعْرَابِيَّةٌ فَقَالَتْ : مَا لِي أَرَاكُمْ جُلُوسًا مُتَغَيِّرَةً أَلْوَانُكُمْ مَيِّتَةً قُلُوبُكُمْ ؟ هُوَ رَبُّنَا فَلْيَفْعَلْ بِنَا مَا شَاءَ وَلْيَرْزُقْنَا مِنْ حَيْثُ شَاءَ ، ثُمَّ قَالَتْ : .
لَوْ أَنَّ فِي صَخْرَةٍ فِي الْبَحْرِ رَاسِيَةً صُمًّا مُلَمْلَمَةً مَلْسًا نَوَاحِيهَا رِزْقًا لِنَفْسٍ بَرَاهَا اللَّهُ لَانْفَلَقَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ إلَيْهَا كُلَّ مَا فِيهَا وَكَانَ بَيْنَ الطِّبَاقِ السَّبْعِ مَسْلَكُهَا لَسَهَّلَ اللَّهُ فِي الْمَرْقَى مَرَاقِيَهَا حَتَّى تَنَالَ الَّذِي فِي اللَّوْحِ خُطَّ لَهَا إنْ لَمْ تَنَلْهُ وَإِلَّا سَوْفَ يَأْتِيهَا وَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَقَالَ : أَدْعُهَا وَأَتَوَكَّلُ ؟ فَقَالَ : " بَلْ اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ " وَقَالَ إبْلِيسُ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَلَسْت تَقُولُ لَنْ يُصِيبَك إلَّا مَا قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْك ؟ فَقَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَارْمِ نَفْسَك مِنْ ذِرْوَةِ هَذَا الْجَبَلِ ، فَإِنْ قُدِّرَتْ لَك السَّلَامَةُ تَسْلَمُ ، فَقَالَ لَهُ : " يَا لَعَيْنُ إنَّ لِلَّهِ أَنْ يَخْتَبِرَ عِبَادَهُ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُخْتَبَرُوا رَبَّهُمْ " وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَذَرَ وَالطَّلَبَ وَالْكَسْبَ لَا يُنَافِيَانِ الْقَدَرَ وَالتَّوَكُّلَ وَالْأَمْرَ بِهِنَّ فِي الشَّرْعِ ، وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ ﴾ الْآيَةَ .
مَعْنَاهُ لَوْ رَزَقَهُمْ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ ، وَقَالَ لِمَرْيَمَ : ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ ﴾ الْآيَةَ ، وَلَوْ شَاءَ أَحْنَاهُ مِنْ غَيْرِ هَزٍّ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَلَوْ شَاءَ أَحْنَى الْجِذْعَ مِنْ غَيْرِ هَزَّةٍ إلَيْهَا وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ وَيُحْكَى أَنَّ بَعْضَ الْمُلُوكِ يَرَى مِنْ تَصْدِيقِ الْقَدَرِ وَتَكْذِيبِ الطَّلَبِ دُونَ أَهْلِ زَمَانِهِ مِنْ الْمُلُوكِ مَا حَجَزَهُ عَنْ الطَّلَبِ وَالتَّدْبِيرِ فَأَخْرَجَهُ إخْوَتُهُ مِنْ سُلْطَانِهِ وَقَهَرُوهُ عَلَى مَمْلَكَتِهِ ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : إنَّ تَرْكَ الطَّلَبِ يُضْعِفُ الْهِمَّةَ وَيُذِلُّ النَّفْسَ وَصَاحِبَهُ صَائِرٌ إلَى أَخْلَاقِ ذَوَاتِ