باب في أركان الدين
الجزء ٣٤ · صفحة ١٩٦وَسَلَّمَ لَادَّخَرَ لِنَفْسِهِ سِنِينَ لِأَنَّهُ لَا يُنْقِصُ تَوَكَّلَهُ ، وَلَكِنْ لَا يَدَّخِرُ تَعْلِيمًا لِأَقْوِيَاءِ أُمَّتِهِ .
قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ : لَا تَحْبِسُوا طَعَامًا لِغَدٍ فَإِنَّ غَدًا يَأْتِي وَمَعَهُ رِزْقُهُ ، اُنْظُرُوا إلَى الذَّرِّ مِنْ يَرْزُقُهَا ، وَإِنْ قُلْتُمْ : إنَّ الذَّرَّ صِغَارٌ فَانْظُرُوا إلَى الطَّائِرِ ، فَإِنْ قُلْتُمْ لِلطَّائِرِ أَجْنِحَةٌ فَانْظُرُوا إلَى الْوَحْشِ ، مَا أَبْدَنَهَا وَأَسْمَنَهَا ﴾ وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ مَاتَ ، فَمَا وُجِدَ لَهُ كَفَنٌ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَتِّشُوا لَهُ ثَوْبَهُ " فَفَتَّشُوا فَوَجَدُوا فِيهِ دِينَارَيْنِ فِي دَاخِلِ إزَارِهِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيَّتَانِ " ، وَقَدْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ وَيَخْلُفُ أَمْوَالًا وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ ، فَأَمَّا أَنْ يُرِيدَ كَيَّتَيْنِ مِنْ النَّارِ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ الزُّهْدَ وَالْفَقْرَ وَالتَّوَكُّلَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَبَّسَ عَلَى النَّاسِ ، وَرُبَّمَا أُعْطِيَ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ ، وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ النُّقْصَانَ عَنْ دَرَجَةِ الْكَمَالِ السَّادِسُ : يَصْبِرُ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ مَرَضٍ وَجَوْعٍ وَبَرْدٍ وَحَرٍّ وَعَطَشٍ وَأَذَى اللِّسَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ﴾ ، ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ .
﴿ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ ، ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ ﴾ ، ﴿ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ ، ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ، وَلَيْسَ دَفْعُ ذَلِكَ بَعْدَ وُقُوعِهِ أَوْ قَبْلَهُ خُرُوجًا عَنْ التَّوَكُّلِ ، وَكَذَا جَلْبُ النَّفْعِ وَحِفْظُ الْمَالِ كَإِغْلَاقِ الْبَابِ عَنْ دَابَّةٍ أَوْ سَارِقٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ نَفْسَهُ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ فِي بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَتْلَفَ عُضْوٌ مِنْهُ ، وَكَذَا سَائِرُ