باب في أركان الدين
الجزء ٣٤ · صفحة ١٩٧الْمَهَالِكِ كَتَرْكِ نَفْسِهِ لِحَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ ، وَإِنْ اسْتَقْصَى فِي أَسْبَابِ الْحِفْظِ كَإِغْلَاقِ كَثِيرَةٍ أَوْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ فَأَظْهَرَ الشَّكْوَى أَوْ تَأَذَّى بِلِسَانِهِ ، أَوْ اسْتَقْصَى فِي الْبَحْثِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ التَّوَكُّلِ ، وَكَذَا سَائِرُ الْمَصَائِبِ فَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلتَّوَكُّلِ فَقَدْ انْكَشَفَ لَهُ أَوْ لِمُؤَدِّبِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَوَكِّلٍ فَيَجْتَهِدُ لِيَكُونَ مُتَوَكِّلًا فَتَكُونُ تِلْكَ الْمُصِيبَةُ سَبَبَ خَيْرٍ لَهُ السَّابِعُ : يَغْلِقُ الْمُتَوَكِّلُ بَابَهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُضَيِّعًا بِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ عَنْ النَّهْيِ عَنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ ، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَشُدُّ بَابَهُ بِشَرِيطَةٍ وَيَقُولُ : لَوْلَا الْكِلَابُ مَا شَدَدْتُهُ ، وَقَدْ يَبْلُغُ الْمُتَوَكِّلُ لِقُوَّةِ تَوَكُّلِهِ وَسَخَائِهِ وَزُهْدِهِ أَنْ لَا يُمْسِكَ فِي الْبَيْتِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِمَعْصِيَةِ السَّارِقِ بِالسَّرِقَةِ أَهْدَى الْمُغِيرَةُ إلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ رَكْوَةً فَقَالَ : لَا حَاجَةَ لِي بِهَا .
قَالَ : لِمَ ؟ قَالَ : يُوَسْوِسُ إلَيَّ الْعَدُوُّ أَنَّ اللِّصَّ أَخَذَهَا ، كَأَنَّهُ احْتَرَزَ أَنْ يَعْصِيَ السَّارِقُ بِهِ وَأَنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ بِسَرِقَتِهِ ، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ إذْ قَالَ : هَذَا مِنْ ضَعْفِ قُلُوبِ الصُّوفِيَّةِ ، وَهَذَا قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَمَا عَلَيْهِ مِنْ أَخْذِهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْهَمَ الْوَجْهَيْنِ فَيَكُونُ قَدْ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَقْصِدُ إنْ سَرَقَهَا سَارِقٌ فَهُوَ فِي حِلٍّ ، أَوْ هِيَ صَدَقَةٌ لَهُ فَلَا يَعْصِي السَّارِقُ وَلَيْسَ مِمَّنْ يَشْغَلُ قَلْبَهُ مَالُ الدُّنْيَا وَهَذَا الِاحْتِمَالُ إنَّمَا أَبْدَيْتُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْغَزَالِيِّ مِنْ جَوَازِ وَاسْتِحْسَانِ أَنْ يَنْوِيَ صَاحِبُ الْبَيْتِ أَنَّهُ إنْ سُرِقَ مَا فِيهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فَهُوَ فِي حِلٍّ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَصَدَقَةٌ أَوْ لَا يَشْتَرِطُ الْفَقْرَ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْرِقُهُ الْغَنِيُّ فَيَكْفِيهِ فَيَتَوَانَى عَنْ السَّرِقَةِ