باب في أركان الدين
الجزء ٣٤ · صفحة ٢٠٠أَنَّك تَجُوزُ الْمَفَاوِزَ بِالتَّوَكُّلِ بِغَيْرِ زَادٍ ، قَالَ : بَلْ بِزَادٍ ، قَالَ : وَمَا زَادُك فِيهَا ؟ قَالَ : أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : أَرَى الدُّنْيَا كُلَّهَا مَمْلَكَةً لِلَّهِ وَالْخَلْقَ كُلَّهُمْ عِيَالَ اللَّهِ وَالْأَسْبَابَ وَالْأَرْزَاقَ بِيَدِ اللَّهِ وَقَضَاءَ اللَّهِ نَافِذًا فِي جَمِيعِ أَرْضِ اللَّهِ ، قَالَ أَبُو مُطِيعٍ : نِعْمَ الزَّادُ زَادُك يَا حَاتِمُ وَإِنَّك لَتَجُوزُ بِهَا مَفَاوِزَ الْآخِرَةِ فَكَيْفَ مَفَاوِزُ الدُّنْيَا ، وَقَالَ دَاوُد لِابْنِهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " يَا بُنَيَّ إنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ بِثَلَاثٍ : حُسْنُ التَّوَكُّلِ فِيمَا لَمْ يُنَلْ ، وَحُسْنُ الرِّضَى فِيمَا قَدْ نَالَ ، وَحُسْنُ الصَّبْرِ عَلَى مَا قَدْ فَاتَ " ، وَقَالَ حَاتِمٌ : نَظَرْت فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ ، فَرَأَيْت نَفْسِي مِنْ تِلْكَ الدَّوَابِّ فَاشْتَغَلْت بِالْعِبَادَةِ عَنْ غَيْرِهَا ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ ، وَكُنْت لَوْ أَصَابَ مُسْلِمًا خَيْرٌ بِالْمَغْرِبِ لَسُرِرْت بِهِ كَأَنَّهُ أَصَابَنِي ، وَلَوْ أَصَابَهُ هَمٌّ بِالْمَشْرِقِ لَاهْتَمَمْت كَأَنَّهُ أَصَابَنِي ، وَنَظَرْت فَوَجَدْت لِكُلِّ إنْسَانٍ حَبِيبًا فَاخْتَرْت الطَّاعَةَ حَبِيبًا لَا تُفَارِقُنِي ، وَوَجَدْت لِكُلِّ أَحَدٍ عُدُوًّا يَحْتَرِزُ عَنْهُ وَجَعَلْت عُدُوِّي الشَّيْطَانَ ، وَالْكَافِرَ ، وَالشَّيْطَانَ أَشَدَّ لِأَنَّهُ يَرَانِي وَلَا أَرَاهُ ، فَيَكِيدُنِي يُرِيدُ أَنْ أَكُونَ مَعَهُ فِي النَّارِ ، وَالْكَافِرَ دُونَهُ لِأَنَّنِي إنْ قَتَلَنِي كُنْت شَهِيدًا أَوْ قَتَلْتُهُ فَمَأْجُورٌ ، وَوَجَدْت لِكُلِّ إنْسَانٍ بَيْتًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِمَارَتِهِ فَاِتَّخَذْت بَيْتِي الْقَبْرَ وَاشْتُغِلْت بِعِمَارَتِهِ وَوَجَدْت لِكُلِّ إنْسَانٍ طَالِبًا فَرَأَيْت مَلَكَ الْمَوْتِ طَالِبِي فَاسْتَعْدَدْت لَهُ ؛ خَاطَبَ بِذَلِكَ شَيْخٌ شَقِيقَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ : أَيُّ شَيْءٍ تَعَلَّمْت مِنِّي وَأَنْتَ عِنْدِي ثَلَاثِينَ سَنَةً ؟ وَذَلِكَ سِتُّ مَسَائِلَ ، وَكُلَّمَا قَالَ لِشَيْخِهِ وَاحِدَةً قَالَ لَهُ شَيْخُهُ