باب في التفكر
الجزء ٣٤ · صفحة ٢٧٧قَالَ عَبْدُ الْحَكَمِ : تَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَجْهُولَةٍ لِتُؤَدِّيَ إلَى مَجْهُولَةٍ تَعْرِيفٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ ، وَعِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ مَجْمُوعُ الْحَرَكَتَيْنِ ، حَرَكَةٌ مِنْ الْمَطْلُوبِ الْمَشْعُورِ بِهِ بِوَجْهِ الْمَبَادِئِ ، وَحَرَكَةٌ مِنْهَا إلَى الْمَطْلُوبِ الْمَجْهُولِ بِوَجْهٍ قَالَ الْمَلَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ : التَّرْتِيبُ فِي اللُّغَةِ : جَعْلُ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَحِلِّهِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ : جَعْلُ الْأَشْيَاءِ الْمُتَعَدِّدَةِ بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْوَاحِدِ وَيَكُونُ لِبَعْضِهَا نِسْبَةٌ إلَى بَعْضٍ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ كَمَا بَسَطْته فِي شَرْحِ الْمَعَالِمِ الْمُسَمَّى " فَتْحُ الْبَابِ لِلطُّلَّابِ بِإِذْنِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ " وَالْمُرَادُ بِالْأُمُورِ أَمْرَانِ فَأَكْثَرُ ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ التَّعَدُّدُ فِي الْأُمُورِ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَا يُمْكِنُ إلَّا عِنْدَ التَّعَدُّدِ ، وَإِنْ قُلْت : يَرِدُ التَّعْرِيفُ بِالْفَصْلِ وَحْدَهُ أَوْ الْخَاصَّةِ وَحْدَهَا فَلَا يَكُونُ جَامِعًا لِأَنَّ الْفَصْلَ أَمْرٌ وَاحِدٌ كَالْخَاصَّةِ ؛ قُلْت : أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْأَقْدَمِينَ فَلَيْسَ التَّعْرِيفُ بِالْفَصْلِ وَحْدَهُ أَوْ الْخَاصَّةِ وَحْدَهَا بِمَرْضِيٍّ عِنْدَهُمْ ، وَإِنْ وَقَعَ أَوَّلُوهُ وَجَعَلُوهُ مُرَكَّبًا تَقْدِيرًا فَنَاطِقٌ فِي تَقْدِيرِ شَيْءٍ نَاطِقٍ ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ تَرْتِيبُ أُمُورٍ فِي الذِّكْرِ أَوْ التَّقْدِيرِ ، وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ وَهُوَ دَاخِلٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَرْكَبٌ أَيْضًا إذْ نَاطِقٌ فِي مَعْنَى شَيْءٍ لَهُ النُّطْقُ ، لَكِنَّ الْأَحْسَنَ عِنْدَهُمْ أَنْ يُعَرَّفَ بِتَعْرِيفٍ آخَرَ بِأَنْ يُقَالَ : وَضْعُ مَعْلُومٍ وَمَعْلُومِينَ لِلتَّأَدِّي إلَى مَجْهُولٍ .
وَالْمُرَادُ بِالْمَعْلُومِ الشَّيْءُ الْحَاصِلُ فِي الْعَقْلِ ، سَوَاءٌ كَانَ يَقِينِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا ، أَوْ عَنْ جَهْلٍ مُرَكَّبٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ تَصْوِيرِيًّا أَوْ تَصْدِيقِيًّا ، فَالتَّرْتِيبُ فِي التَّصَوُّرَاتِ كَمَا إذَا أَرَدْنَا أَنْ نَتَوَصَّلَ إلَى مَعْرِفَةِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّا نَقُولُ : هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ بِتَرْتِيبِهِ