شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في التفكر

الجزء ٣٤ · صفحة ٢٨٥

الْمُتَّقِينَ بِفِكْرِهَا إلَى مَا قَدْ اُدُّخِرَ لَهَا فِي حُجُبِ الْغَيْبِ مِنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ لَمْ يَصْفُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَيْشٌ ، وَلَمْ تَقَرَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَيْنٌ ، وَكَانَ لُقْمَانُ يُطِيلُ الْجُلُوسَ وَحْدَهُ فَكَانَ يَمُرُّ بِهِ مَوْلَاهُ فَيَقُولُ : يَا لُقْمَانُ إنَّك تُدِيمُ الْجُلُوسَ وَحْدَك فَلَوْ جَلَسْت مَعَ النَّاسِ كَانَ آنَسَ لَك ، فَيَقُولُ لُقْمَانُ : إنَّ طُولَ الْوَحْدَةِ أَفْهَمُ لِلْفِكْرَةِ ، وَطُولَ الْفِكْرَةِ دَلِيلٌ عَلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ .

وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : مَا طَالَتْ فِكْرَةُ امْرِئٍ قَطُّ إلَّا عَمِلَ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : الْفِكْرَةُ فِي نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ ، وَقَالَ بِشْرٌ الْحَافِي : لَوْ تَفَكَّرَ النَّاسُ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا عَصَوْا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : رَكْعَتَانِ مُقْتَصِدَتَانِ فِي تَفَكُّرٍ ، خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ بِلَا قَلْبٍ ، وَبَيْنَمَا أَبُو شُرَيْحُ يَمْشِي إذْ جَلَسَ فَتَقَنَّعَ بِكِسَائِهِ ، فَجَعَلَ يَبْكِي فَقُلْنَا : مَا يُبْكِيَك ؟ قَالَ : تَفَكَّرْت فِي ذَهَابِ عُمْرِي وَقِلَّةِ عَمَلِي وَاقْتِرَابِ أَجَلِي ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ : عَوِّدُوا أَعْيُنَكُمْ الْبُكَاءَ وَقُلُوبَكُمْ التَّفَكُّرَ ، وَقَالَ : الْفِكْرُ فِي الدُّنْيَا حِجَابٌ عَنْ الْآخِرَةِ وَعُقُوبَةٌ لِأَهْلِ الْوِلَايَةِ ، وَالْفِكْرُ فِي الْآخِرَةِ يُورِثُ الْحِكْمَةَ ، وَيُحْيِي الْقَلْبَ ، وَقَالَ حَاتِمٌ : مِنْ الْعِبْرَةِ يَزِيدُ الْعِلْمُ ، وَمِنْ الذِّكْرِ يَزِيدُ الْحُبُّ ، وَمِنْ التَّفَكُّرِ يَزِيدُ الْخَوْفُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : التَّفَكُّرُ فِي الْخَيْرِ يَدْعُو إلَى الْعَمَلِ بِهِ وَالتَّفَكُّرُ فِي الشَّرِّ يَدْعُو إلَى تَرْكِهِ .

وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ كُتُبِهِ : " إنِّي لَسْت أَقْبَلُ كُلَّ كَلَامِ حَكِيمٍ ، وَلَكِنْ أَنْظُرُ إلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ لِي جَعَلْت هِمَّتَهُ تَفَكُّرًا وَكَلَامَهُ حَمْدًا ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ " وَقَالَ الْحَسَنُ : إنَّ أَهْلَ الْعَقْلِ لَمْ يَزَالُوا يَعُودُونَ بِالذِّكْرِ عَلَى الْفِكْرِ وَبِالْفِكْرِ

١٦٬٧٨٥ / ١٧٬٤٣٨