باب في التفكر
الجزء ٣٤ · صفحة ٢٩٩، وَاَلَّتِي لِلْعَذَابِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَهِيَ رِيحٌ وَاحِدَةٌ وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ يُسَبِّحُ كَالْحُوتِ فِي الْمَاءِ سَوَاءٌ ، وَتَضْطَرِبُ جَوَانِبُ الرِّيحِ وَأَمْوَاجِهِ ، كَمَا تَضْطَرِبُ أَمْوَاجُ الْبَحْرِ ، وَانْظُرْ إلَى رِقَّةِ الْمَاءِ وَسَيَلَانِهِ كَيْفَ حَمَلَ السَّفِينَةَ وَمَا فِيهَا ، وَإِلَى لُطْفِ الْهَوَاءِ وَدِقَّتِهِ ثُمَّ شِدَّةِ قُوَّتِهِ مَهْمَا انْقَبَضَ عَنْ الْمَاءِ ، فَالزِّقُّ الْمَنْفُوخُ يَتَحَامَلُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ الْقَوِيُّ لِيَغْمِسَهُ فِي الْمَاءِ ، فَانْظُرْ كَيْفَ يَنْقَبِضُ الْهَوَاءُ مِنْ الْمَاءِ بِقُوَّتِهِ مَعَ لَطَافَتِهِ ، وَبِهَذِهِ الْحِكْمَةِ أَمْسَكَ اللَّهُ السُّفُنَ عَلَى الْمَاءِ ، وَكَذَا كُلُّ مُجَوَّفٍ فِيهِ هَوَاءٌ لَا يَغُوصُ فِي الْمَاءِ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَنْقَبِضُ عَنْ الْغَوْصِ فِي الْمَاءِ ، فَالسَّفِينَةُ تَعَلَّقَتْ بِأَذْيَالِ الْهَوَاءِ مِنْ جَوْفِهَا فَلَمْ تَغُصْ فِي الْمَاءِ .
وَانْظُرْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالنُّجُومِ ، وَمَنْ نَظَرَ فِي غَيْرِهِنَّ فَقَدْ فَاتَهُ النَّظَرُ ، فَالْأَرْضُ وَالْبِحَارُ وَالْهَوَاءُ وَكُلُّ جِسْمٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى السَّمَاوَاتِ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ وَأَصْغَرَ ، وَانْظُرْ كَيْفَ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ وَفِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ .
كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ﴾ ، ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ وَقَوْلِهِ : ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إذَا تَلَاهَا ﴾ ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴾ ﴿ وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى ﴾ ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ عَجَائِبَ النُّطْفَةِ عَجَزَ عَنْهَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ ، فَكَيْفَ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ وَأَقْسَمَ بِهِ وَأَحَالَ الرِّزْقَ إلَيْهِ : ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ وَأَثْنَى عَلَى الْمُتَفَكِّرِينَ وَقَالَ : ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ : وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ مَسَحَ بِهَا سَبَلَتَهُ ﴾ أَيْ تَجَاوَزَهَا مِنْ غَيْرِ