شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الشكر

الجزء ٣٤ · صفحة ٣١٤

الْكُفْرَ وَيُؤَدِّيَ الْفَرْضَ وَيَتَطَوَّعَ إعْظَامًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ ، أَوْ خَوْفٌ مِنْ عِقَابِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الشُّكْرَ يَنْتَظِمُ فِي عِلْمٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ ، فَالْعِلْمُ الْأَصْلُ فَيُورِثُ الْحَالَ ، وَالْحَالُ يُورِثُ الْعَمَلَ ، فَالْعِلْمُ مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ مِنْ الْمُنْعِمِ ، وَالْحَالُ الْفَرَحُ الْحَاصِلُ بِالْإِنْعَامِ ، وَالْعَمَلُ الْقِيَامُ بِمَقْصُودِ الْمُنْعِمِ ، وَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ الْعَمَلُ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ وَاللِّسَانِ ، فَالْعِلْمُ هُوَ أَنْ يَعْلَمَ عَيْنَ النِّعْمَةِ .

وَوَجْهَ كَوْنِهَا نِعْمَةً فِي حَقِّهِ وَذَاتَ الْمُنْعِمِ وَوُجُودَ صِفَاتِهِ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ الْإِنْعَامُ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ النِّعَمَ كُلَّهَا مِنْ اللَّهِ وَالْأَوَاسِطُ مُسَخَّرُونَ مِنْ جِهَتِهِ قَالَ مُوسَى فِي مُنَاجَاتِهِ : " إلَهِي خَلَقْت آدَمَ بِيَدِك وَفَعَلْت وَفَعَلْت فَكَيْفَ شَكَرَكَ " ؟ فَقَالَ : " اعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنِّي " فَكَانَتْ مَعْرِفَتُهُ شُكْرًا ، وَالْحَالُ الْمُسْتَمَدَّةُ مِنْ أَصْلِ الْمَعْرِفَةِ الْفَرَحُ بِالْمُنْعِمِ مَعَ هَيْئَةِ الْخُضُوعِ وَالتَّوَاضُعِ ، وَهَذَا شُكْرٌ ، كَمَا أَنَّ الْمَعْرِفَةَ شُكْرٌ ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْفَرَحُ بِالْمُنْعِمِ لَا بِالنِّعْمَةِ وَلَا بِالْإِنْعَامِ فَمَنْ أَعْطَاهُ مَلَكَ شَيْئًا وَفَرِحَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَنْفَعَةٌ فَلَا شُكْرَ فِي هَذَا بَلْ تَلَذُّذٌ لِمُوَافَقَةِ الْغَرَضِ ، وَإِنْ فَرِحَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَلِكَ اعْتَنَى بِهِ وَاهْتَمَّ بِجَانِبِهِ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ جِهَةِ الْمَلِكِ لَمْ يَفْرَحْ بِهِ فَهَذَا شُكْرُ مَنْ يَعْمَلُ خَوْفًا مِنْ الْعِقَابِ وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ ، وَإِنْ فَرِحَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَخْدُمُ بِهِ الْمَلِكَ وَيَقْرُبُ مِنْهُ ، وَهَذَا شُكْرُ مَنْ يَعْمَلُ لِلَّهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ ، وَعَلَامَتُهُ أَنْ لَا يَفْرَحَ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا بِمَا هُوَ مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ .

قَالَ الشِّبْلِيُّ : الشُّكْرُ اعْتِبَارُ الْمُنْعِمِ لَا رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ ، وَقَالَ الْخَوَّاصُ : شُكْرُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمَطْعَمِ

١٦٬٨١٤ / ١٧٬٤٣٨