باب في الشكر
الجزء ٣٤ · صفحة ٣١٥وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ ، وَشُكْرُ الْخَاصَّةِ عَلَى وَارِدَةِ الْقُلُوبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ إذَا صَحَّ لَا يَلْتَذُّ بِغَيْرِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ وَلِقَائِهِ ، وَإِنَّمَا يَلْتَذُّ بِغَيْرِهِ إذَا مَرِضَ بِسُوءِ الْعَادَاتِ كَمَا يَلْتَذُّ بَعْضُ النَّاسِ بِأَكْلِ الْبَطْنِ ، وَكَمَا يَكْرَهُ الْمَرِيضُ الْأَشْيَاءَ الْحُلْوَةَ وَيُحِبُّ الْأَشْيَاءَ الْمُرَّةَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ بِمُوجِبِ الْفَرَحِ الْحَاصِلِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُنْعِمِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ ، إمَّا بِالْقَلْبِ فَقَصْدُهُ الْخَيْرُ وَإِضْمَارُهُ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ ، وَإِمَّا بِاللِّسَانِ فَإِظْهَارُ الشُّكْرِ بِالتَّحْمِيدَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ ، وَإِمَّا بِالْجَوَارِحِ فَاسْتِعْمَالُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي طَاعَتِهِ وَالتَّوَقِّي مِنْ الِاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ ، وَالشُّكْرُ بِاللِّسَانِ مَأْمُورٌ بِهِ لِإِظْهَارِ الرِّضَى عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، ﴿ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ : كَيْفَ أَصْبَحَتْ ؟ فَقَالَ : بِخَيْرٍ ، فَأَعَادَ فَقَالَ : بِخَيْرٍ ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ ، فَأَعَادَ حَتَّى قَالَ فِي الثَّالِثَةِ : بِخَيْرٍ أَحْمَدُ اللَّهَ وَأَشْكُرُهُ ، فَقَالَ : هَذَا الَّذِي أَرَدْت مِنْك ﴾ ، وَكَانَ السَّلَفُ يَسْأَلُونَ وَنِيَّتُهُمْ إخْرَاجُ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى لِيَكُونَ الشَّاكِرُ مُطِيعًا ، وَالْمُسْتَنْطَقُ مُطِيعًا وَالشَّكْوَى مَعْصِيَةٌ قَبِيحَةٌ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ ، وَكَيْفَ لَا تُقَبَّحُ مِنْ مَلِكِ الْمُلُوكِ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ إلَى مَمْلُوكٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ؟ وَقِيلَ : هِيَ إلَى الْمُسْلِمِ شَكْوَى إلَى اللَّهِ ، وَرُوِيَ أَنَّ وَفْدًا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَامَ شَابٌّ لِيَتَكَلَّمَ ، فَقَالَ عُمَرُ : الْكِبَرَ الْكِبَرَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالسِّنِّ لَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْك ، فَقَالَ : تَكَلَّمْ ، فَقَالَ : لَسْنَا وَفْدَ الرَّغْبَةِ وَلَا وَفْدُ الرَّهْبَةِ أَمَّا الرَّغْبَةُ فَقَدْ أَوْصَلَهَا إلَيْك فَضْلُك ، وَأَمَّا الرَّهْبَةُ فَقَدْ آمَنَنَا عَدْلُك ،