باب في الشكر
الجزء ٣٤ · صفحة ٣٢٠يُحِبُّهُمْ وَدَعْهُ يُحِبُّهُمْ ، وَدَعْهُمْ يُحِبُّونَهُ ، فَقَالَ : لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحِبُّ نَفْسَهُ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ الْمُحِبُّ وَأَنَّهُ الْمَحْبُوبُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ إذَا أَحَبَّ تَصْنِيفَهُ فَقَدْ أَحَبَّ نَفْسَهُ ، وَالصَّانِعُ إذَا أَحَبَّ صَنْعَتَهُ فَقَدْ أَحَبَّ نَفْسَهُ ، وَهَكَذَا وَكُلُّ مَا فِي الْوُجُودِ فَهُوَ صَنْعَةُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَتُعَبِّرُ الصُّوفِيَّةُ بِالدُّخُولِ فِي هَذَا التَّوْحِيدِ بِفِنَاءِ النَّفْسِ أَيْ فَنِيَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَرَ إلَّا اللَّهَ ، { وَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُجُودِهِ : أَعُوذُ بِعَفْوِك مِنْ عِقَابِك ، وَأَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَأَعُوذُ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك } فَأَعُوذُ بِعَفْوِك مِنْ عِقَابِك كَلَامٌ عَنْ مُشَاهَدَةِ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ إلَّا اللَّهَ وَأَفْعَالَهُ ، وَاسْتَعَاذَ بِفِعْلِهِ مِنْ فِعْلِهِ ثُمَّ اقْتَرَبَ فَفَنِيَ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْأَفْعَالِ إلَى صِفَاتِ الذَّاتِ وَالذَّاتِ فَقَالَ : أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك ، وَقَالَ : أَعُوذُ بِك مِنْك ، فَفَرَّ مِنْهُ إلَيْهِ .
وَقَالَ : " لَا أُحْصِي " خَبَرٌ عَنْ فِنَاءِ نَفْسِهِ ، وَقَوْلُهُ : أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك بَيَانٌ أَنَّهُ الْمُثْنِي وَالْمُثْنَى عَلَيْهِ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْقَى مِنْ رُتْبَةٍ إلَى أُخْرَى إلَّا وَيَرَى الْأُولَى بُعْدًا بِالْإِضَافَةِ إلَى الثَّانِيَةِ فَكَانَ يَسْتَغْفِرُ مِنْ الْأُولَى وَيَرَى ذَلِكَ نَقْصًا فِي سُلُوكِهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ فَكَانَ ذَلِكَ لِتَرَقِّيهِ إلَى سَبْعِينَ مَقَامًا ، وَلَمَّا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : { أَلَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ فَمَا هَذَا الْبُكَاءُ فِي السُّجُودِ ، وَمَا هَذَا الْجَهْدُ الشَّدِيدُ ؟ قَالَ : أَفَلَا أَكُونُ