شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الشكر

الجزء ٣٤ · صفحة ٣٢١

عَبْدًا شَكُورًا ، } أَيْ أَفَلَا أَكُونُ طَالِبًا لِلْمَزِيدِ فِي الْمَقَامَاتِ : ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ وَكُلُّ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا إنَّمَا خَلَقَهُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى سَعَادَةِ الْآخِرَةِ وَنِيلِ الْقُرْبِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَنْ اسْتَعْمَلَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهِ مِنْ جَوَارِحِهِ وَمَالِهِ وَعَقْلِهِ فِي مَعْصِيَةٍ فَقَدْ كَفَرَ نِعَمَهُ تَعَالَى ، وَمَنْ أَهْمَلَهَا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فَقَدْ كَفَرَ أَيْضًا إذْ عَطَّلَهَا عَمَّا خُلِقَتْ لَهُ وَذَلِكَ كَسُلْطَانٍ أَعْطَى عَبْدًا مَرْكُوبًا لِيَسْعَدَ بِالْقُرْبِ مِنْ السُّلْطَانِ وَيَتَلَذَّذَ بِهِ لَا لِيَخْدُمَهُ ، وَلَا لِيَزِيدَ فِي مِلْكِهِ لِضَعْفِهِ ، وَغِنَاءِ السُّلْطَانِ عَنْهُ .

فَإِنْ لَمْ يَرْكَبْهُ إلَى السُّلْطَانِ بَلْ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى أَوْ لَمْ يَرْكَبْهُ أَصْلًا فَقَدْ كَفَرَ نِعْمَتَهُ ، وَكُلُّ مُطِيعٍ فَهُوَ شَاكِرٌ بِقَدْرِ طَاعَتِهِ فَالشُّكْرُ انْصِرَافُ نِعْمَةِ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ فَالْمُطِيعُ شَاكِرٌ ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَحِلُّ الشُّكْرِ إذْ صَدَرَ مِنْهُ فَهُوَ مَشْكُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَكَذَا مُثْنٍ وَمُثْنًى عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِعْلَ الشُّكْرِ وَتَرْكَ الْكُفْرِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَعْرِفَةِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّا يَكْرَهُهُ إذْ مَعْنَى الشُّكْرِ اسْتِعْمَالُ نِعَمِهِ فِي مَحَابِّهِ ، وَمَعْنَى الْكُفْرِ نَقِيضُ ذَلِكَ إمَّا بِالسَّمْعِ وَمُسْتَنِدُهُ الْأَخْبَارُ وَالْآيَاتُ ، وَإِمَّا بِبَصِيرَةِ الْقَلْبِ وَهُوَ النَّظَرُ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ أَنَّ الْحَرَكَةَ فِي خَلْقِ كَذَا هِيَ كَذَا وَكَذَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ .

١٦٬٨٢١ / ١٧٬٤٣٨