باب في الشكر
الجزء ٣٤ · صفحة ٣٣٦وَاعْلَمْ أَنَّ الشُّكْرَ قَيْدُ النِّعْمَةِ ، فَفِي حِكْمَةِ إدْرِيسَ : " لَنْ يَسْتَطِيعَ أَحَدٌ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ بِمِثْلِ الْإِنْعَامِ عَلَى خَلْقِهِ لِيَكُونَ صَانِعًا إلَى الْخَلْقِ مِثْلُ مَا صَنَعَ الْخَالِقُ إلَيْهِ ، فَإِذَا أَرَدْت أَنْ تَحْرُسَ دَوَامَ النِّعْمَةِ مِنْ اللَّهِ عَلَيْك فَأَدِمْ مُوَاسَاةَ الْفُقَرَاءِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ فَإِذَا رَأَيْت غَنِيًّا يَشْكُرُ بِلِسَانِهِ وَمَالُهُ فِي نُقْصَانٍ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخَلَّ بِالشُّكْرِ ، إمَّا أَنَّهُ لَا يُزَكِّي مَالَهُ أَوَيُزَكِّيهِ لِغَيْرِ أَهْلِهِ ، أَوْ يُؤَخِّرُهُ عَنْ وَقْتِهِ ، أَوْ يَمْنَعُ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ مِنْ كُسْوَةِ عُرْيَانٍ أَوْ إطْعَامِ جَائِعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : مَنْ أَعْطَى أَرْبَعًا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَرْبَعٍ : مَنْ أَعْطَى الشُّكْرَ لَمْ يُمْنَعْ الْمَزِيدَ ، وَمَنْ أَعْطَى التَّوْبَةَ لَمْ يُمْنَعْ الْقَبُولَ ، وَمَنْ أَعْطَى الِاسْتِخَارَةَ لَمْ يُمْنَعْ الْخِيَرَةَ ، وَمَنْ أَعْطَى الْمَشُورَةَ لَمْ يُمْنَعْ الصَّوَابَ .
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : اُشْكُرْ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْك وَأَنْعِمْ عَلَى مَنْ شَكَرَك فَإِنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلنِّعَمِ إذَا كُفِرَتْ ، وَلَا زَوَالَ لَهَا إذَا شُكِرَتْ ، وَعَنْ عَلِيٍّ : احْذَرُوا نِفَارَ النِّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ مَرْدُودٌ ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إذَا وَصَلَتْ إلَيْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلَا تَنْفِرُوا اتِّصَالَهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ ﴾ ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَشْبَعَ مِنْ الطَّعَامِ فَيَحْمَدَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُعْطِيهِ مِنْ الْأَجْرِ مَا يُعْطِي الصَّائِمَ الْقَائِمَ ، إنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ ﴾ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ : مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَهَا قَبْلَ أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ، وَلَا أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ قَبْلَ أَنْ