شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل في الصبر

الجزء ٣٤ · صفحة ٣٦٠

( فَالْعَامِلُ لِبَعْضِ الطَّاعَةِ ) أَيْ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ ( بِكُرْهٍ مِنْهُ ) إذْ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِعَمَلِهِ ( وَمَشَقَّةٍ عَلَيْهِ وَضَيِّقٍ مِنْ نَفْسِهِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ فَاعِلِهِ بِسُرُورٍ مِنْ قَلْبِهِ وَنَشَاطٍ مِنْ خَاطِرِهِ ) لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةٌ وَهُوَ قَهْرُ النَّفْسِ لِوَجْهِ اللَّهِ ، وَقَدْ مَرَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ خَيْرُ الْأَعْمَالِ مَا أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ الْأَنْفُسُ ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ أَفْضَلُ الْإِيمَانِ مَا أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ ﴾ .

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ﴾ وَكُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَالْأَخْبَارِ فِي الْأَمْرِ بِالصَّبْرِ وَفِي ثَوَابِهِ أَدِلَّةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَصَحُّ ، ( وَقِيلَ : عَكْسُهُ ) لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ وَهُمْ يَعْمَلُونَ بِسُرُورٍ ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ مَرْفُوعًا : ﴿ اُعْبُدْ اللَّهَ عَلَى الرِّضَى وَالْيَقِينِ وَإِلَّا فَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ ﴾ وَالْكَلَامُ فِي تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى كُرْهٍ أَوْ بِسُرُورٍ كَذَلِكَ ، وَأَنَا أَجْمَعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ الثَّوَابِ ، وَالثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ إنَّ عَمَلَهُ يَكُونُ أَصْفَى وَأَثْبَتَ ، وَقَدْ يَدْخُلُ الْمُكَلَّفُ الْعَمَلَ بِمَشَقَّةٍ وَتَكَلُّفٍ ، ثُمَّ يَعْتَادُ فَيَصِلُ إلَى النَّشَاطِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنْ بَنِي آدَمَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَبْ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّهُمْ لَا يُثَابُونَ بِمَا يَلْتَذُّونَ بِهِ اللَّهُمَّ إلَّا مَا قِيلَ : إنَّهُمْ يُثَابُونَ بِوُصُولِ الْهِدَايَةِ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ مَقَامَ الرِّضَى أَعْلَى مِنْ مَقَامِ الصَّبْرِ ، وَمَقَامَ الْمَحَبَّةِ أَعْلَى مِنْ مَقَامِ الرِّضَى .

١٦٬٨٦٠ / ١٧٬٤٣٨