تنبهات التسلي عن نوائب الدهر
الجزء ٣٤ · صفحة ٣٧٧السَّادِسُ : يُسْتَعَانُ عَلَى الصَّبْرِ بِتَضْعِيفِ بَاعِثِ الشَّهْوَةِ بِقَطْعِ مَادَّتِهَا ، كَالْأَطْعِمَةِ الطِّيبَةِ وَاللَّحْمِ وَكَثْرَةِ الْأَكْلِ ، أَوْ بِقَطْعِ أَسْبَابِهِ الْمُهَيِّجَةِ لَهُ فِي الْحَالِ ، كَالنَّظَرِ وَالِاسْتِمَاعِ إلَى الْمُشْتَهَاةِ وَالتَّفَكُّرِ فَيَعْتَزِلُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ بِتَسْلِيَةِ النَّفْسِ عَنْ الْحَرَامِ بِمِثْلِهِ مِنْ الْحَلَالِ كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ الْمُغْنِي عَنْ النَّظَرِ إلَى الْحَرَامِ ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَيَكُونُ تَسَبُّبًا لِقَطْعِ شَهْوَةِ النَّفْسِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ ، وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ فِيمَا قِيلَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ الصَّوْمُ الْمَأْمُورُ بِهِ الْمُنْتَفَعُ بِهِ ، وَأَمَّا الصَّوْمُ مَعَ أَكْلِ النَّهَارِ أَوْ أَكْثَرَ وَالْقَصْدِ إلَى الْمَلَاذِ ، فَذَلِكَ كَلَا صَوْمٍ ، وَبِالْأَطْمَاعِ فِي فَوَائِدَ لِاسْتِيفَاءِ الْمُجَاهَدَةِ بِمُطَالَعَةِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِ الصَّبْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَبِالتَّصَدِّي إلَى مُغَالَبَةِ بَاعِثِ الْهَوَى فَإِنَّ مَنْ يَتَفَاعَلُ تَحْضُرُ لَهُ قُوَّةٌ لَا تَحْضُرُ لِمَنْ يَفْعَلُ وَيَقْطَعُ عَلَائِقَ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا شَاغِلَةٌ لِلْبَدَنِ وَالْقَلْبِ ، وَإِنْ تَوَلَّاهَا بِغَيْرِ شَغْلِ قَلْبِهِ ، وَالدُّنْيَا جَاذِبَةٌ وَالْمَجْذُوبُ إلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ لَا يَنْجَذِبُ إلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ ، فَمَتَى صَفَا وَقْتُهُ وَتَفَكَّرَ أَدْرَكَ فِي سَاعَتِهِ مَا لَا يُدْرِكُهُ عُمْرُهُ مَشْغُولًا ، فَيَنْجَذِبُ إلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَيَأْنَسُ بِاَللَّهِ وَيَسْتَوْحِشُ بِغَيْرِهِ كَمَا قِيلَ : سَأَلَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ الشِّبْلِيَّ : أَيُّ الصَّبْرِ أَشَدُّ ؟ قَالَ : الصَّبْرُ فِي اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ : الصَّبْرُ لِلَّهِ ، قَالَ : لَا ، قَالَ : الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ ، قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِيشْ ؟ قَالَ : الصَّبْرُ عَنْ اللَّهِ ، فَصَرَخَ الشِّبْلِيُّ صَرْخَةً كَادَتْ رُوحُهُ تَتْلَفُ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿ اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ﴾ ، اصْبِرُوا فِي اللَّهِ ، وَصَابِرُوا بِاَللَّهِ ، وَرَابِطُوا مَعَ اللَّهِ