باب في الكف عن الذنوب
الجزء ٣٤ · صفحة ٣٨٥( وَتَجِبُ التَّوْبَةُ عَنْ ذَنْبٍ صَدَرَ وَمَضَى لَا فِي حَالِ وُقُوعِهِ ) فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّوْبَةُ مِنْهُ جَمِيعًا وَهُوَ لَمْ يَتِمَّ ( بَلْ ) تَجِبُ عَنْ الْجُزْءِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ ، وَ ( لَزِمَ فِي ) بَاقِي ( هـ الْكَفُّ عَنْهُ ) وَالتَّوْبَةُ تَحْصُلُ بِسَبَبِ مَعْرِفَةِ عِظَمِ ضَرَرِ الذَّنْبِ ، وَكَوْنِهِ حِجَابًا بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَعْبُودِ ، فَكَيْفَ عَمَّا هُوَ فِيهِ ؛ وَيَتَخَلَّصُ عَمَّا مَضَى وَيَعْزِمُ عَلَى التَّرْكِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَكَثِيرًا مَا يُطْلَقُ اسْمُ التَّوْبَةِ عَلَى مَعْنَى النَّدَمِ فَالتَّرْكُ وَالْإِصْلَاحُ ثَمَرَةٌ لِهَذَا النَّدَمِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ النَّدَمُ تَوْبَةٌ ﴾ ، إذْ لَا يَخْلُو النَّدَمُ عَنْ عِلْمٍ أَوْجَبَهُ وَعَنْ عَزْمٍ يَتْبَعُهُ وَيَتْلُوهُ ، وَقِيلَ : التَّوْبَةُ ذَوَبَانُ الْحَشَا لِمَا سَبَقَ مِنْ الْخَطَأِ ، وَذَلِكَ يَعْرِضُ لِمُجَرَّدِ الْأَلَمِ بِالذَّنْبِ ، وَلِذَا قِيلَ : التَّوْبَةُ نَارٌ فِي الْقَلْبِ تَلْتَهِبُ وَصَدْعٌ فِي الْكَبِدِ لَا يَتَشَعَّبُ ، وَقِيلَ : خَلْعُ لِبَاسِ الْجَفَاءِ وَنَشْرُ بِسَاطِ الْوَفَاءِ ، وَقَالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيِّ : التَّوْبَةُ تَبْدِيلُ الْحَرَكَاتِ الْمَذْمُومَةِ بِالْحَرَكَاتِ الْمَحْمُودَةِ ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِالْخَلْوَةِ وَالصَّمْتِ وَأَكْلِ الْحَلَالِ وَقِيلَ : مَعْنَى التَّوْبَةِ النَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الذَّنْبِ وَعَدَمُ الْعَوْدِ إلَيْهِ ، وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى تَرْكِهِ ، وَيَجْمَعُهَا سِتَّةُ شُرُوطٍ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ : أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا عَلِمْت أَنَّ سُرْعَةَ اللِّسَانِ فِي الِاسْتِغْفَارِ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ ؟ قَالَ لَهُ : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : إنَّ لِلِاسْتِغْفَارِ سِتَّ عَلَامَاتٍ : النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى ، وَاعْتِقَادُ عَدَمِ الْعَوْدِ أَبَدًا ، وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ إلَى أَهْلِهَا ، وَإِعَادَةُ الْفَرَائِضِ الْمُضَيَّعَةِ ، وَإِذَابَةُ الْبَدَنِ الْمُرَبَّى بِالسُّحْتِ بِالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ ، وَإِذَاقَتُهُ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أُذِيقَ لَذَّةَ الْمَعْصِيَةِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ