باب في الكف عن الذنوب
الجزء ٣٤ · صفحة ٤٤٢السَّادِسُ : التَّائِبُونَ أَرْبَعَةٌ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَدُومَ عَلَيْهَا إلَى آخِرِ عُمْرِهِ إلَّا فُرُطَاتٍ لَا يَخْلُو الْبَشَرُ عَنْهَا ، وَهُوَ السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ الْمُسْتَبْدِلُ بِالسَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ ، وَتَوْبَتُهُ النَّصُوحُ وَنَفْسُهُ الْمُطْمَئِنَّةُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى رَبِّهَا رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ، وَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ﴿ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ الْمُسْتَهْتَرُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَعَ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَوْزَارَهُمْ فَوَرَدُوا الْقِيَامَةَ خِفَافًا ﴾ " ( 1 ) فَهُوَ إمَّا تَائِبٌ سَكَنَتْ شَهْوَتُهُ قَهْرًا مِنْهُ لَهَا ، وَإِمَّا تَائِبٌ تُنَازِعُهُ وَيُجَاهِدُهَا ، وَالنِّزَاعُ إمَّا كَثِيرٌ أَوْ قَلِيلٌ ، وَتَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ أَيْضًا وَالْأَنْوَاعُ ، وَهُوَ أَيْضًا مُخْتَطٌّ مُغْتَبِطٌ لِسَلَامَتِهِ وَمُهْمَلٌ طَالَتْ مَقَاسَاتُهُ ، وَكَثُرَتْ حَسَنَاتُهُ ، وَهَذَا أَعْلَى .
قِيلَ : إنَّمَا يُكَفِّرُ الذَّنْبَ الَّذِي ارْتَكَبَهُ الْعَاصِي عَشْرَ مَرَّاتٍ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ ، وَيَتْرُكَهُ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَتَصَدَّى لِهَذَا مَنْ هُوَ مُبْتَدِئٌ لَعَلَّهُ يَعُودُ لِلذَّنْبِ ، بَلْ يَسُدُّ عَنْ نَفْسِهِ طُرُقَ الذَّنْبِ مِنْ ابْتِدَاءِ أَسْبَابِهِ الْمُيَسِّرَةِ لَهُ الثَّانِي : تَائِبٌ سَلَكَ طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ فِي أُمَّهَاتِ الطَّاعَاتِ وَتَرَكَ كَبَائِرَ الْفَوَاحِشِ كُلَّهَا ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ ذُنُوبٍ تَعْتَرِيهِ فِي مَجَارِي أَحْوَالِهِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ قَصْدٍ إلَيْهَا وَغَيْرِ عَزْمٍ لِلْإِقْدَامِ عَلَيْهَا ، وَلَكِنْ كُلَّمَا أَقْدَمَ لَامَ نَفْسَهُ وَتَجَدَّدَ عَزْمُهُ عَلَى الِاحْتِرَازِ عَنْهَا وَنَفْسُهُ اللَّوَّامَةُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَاَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ ﴾ الْآيَةَ ، ﴿ وَاَلَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾ الْآيَةَ ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ خِيَارُكُمْ كُلُّ مُفْتَنٍ تَوَّابٌ ﴾ " وَفِي خَبَرٍ آخَرَ : " ﴿ الْمُؤْمِنُ كَالسُّنْبُلَةِ يَفِيءُ أَحْيَانًا وَيَمِيلُ أَحْيَانًا ﴾ " ، وَفِي الْخَبَرِ : " { لَا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ ذَنْبٍ