شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل من فعل ذنبا كبيرا ثم طاعة بلا قصد توبة منه

الجزء ٣٤ · صفحة ٤٥٥

رَدٌّ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ فِي قَوْلِهِ : إنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ ، نَعَمْ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ تُقَابَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا بِحَسَنَاتِهِ فَيَحْكُمُ بِالْأَغْلَبِ ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ : " تَمْحُهَا " الْمَحْوُ مِنْ الصَّحِيفَةِ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ : " ﴿ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ " وَاخْتَارَهُ بَعْضٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَا وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ تَجَوُّزٌ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ ، وَالْحَدُّ كَفَّارَةٌ لِذَاتِ الذَّنْبِ لَا لِتَرْكِ التَّوْبَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ ذَنْبٌ آخَرُ ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضٍ : إنَّ إقَامَتَهُ لَيْسَ كَفَّارَةً بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ التَّوْبَةِ ، وَاخْتَلَفُوا إذَا زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ ، فَقِيلَ : يُثَابُ بِمَا زَادَ فَقَطْ ، وَقِيلَ : بِكُلِّهَا ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَتُمْحَى وَيُثَابُ مَعَهَا بِحَسَنَاتِهِ كُلِّهَا ، وَالْمَغْفِرَةُ وَالتَّكْفِيرُ مُتَقَارِبَانِ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ سِتْرُ الذَّنْبِ وَوِقَايَةُ شَرِّهِ ، وَالتَّكْفِيرُ السِّتْرُ أَيْضًا ، وَقِيلَ : هُوَ مَحْوُ أَثَرِ الذَّنْبِ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يُفْعَلْ ، وَالْمَغْفِرَةُ ذَلِكَ مَعَ إكْرَامِ الْعَبْدِ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَغْفِرَتُهُ قَلْبُهُ حَسَنَةً وَتَكْفِيرُهُ مَحَوْهُ فَقَطْ ، وَقِيلَ : الْمَغْفِرَةُ وِقَايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ فَلَا مُؤَاخَذَةَ وَلَا عُقُوبَةَ وَالتَّكْفِيرُ قَدْ يَقَعُ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ ، وَإِنَّ الْمَصَائِبَ الدُّنْيَوِيَّةَ مُكَفِّرَاتٌ وَهِيَ عُقُوبَاتٌ ، وَكَذَا الْعَفْوُ وَالرَّحْمَةُ يَقَعَانِ مَعَ الْعُقُوبَةِ وَعَدَمِهَا وَقِيلَ : الْمُكَفِّرُ مِنْ الْعَمَلِ مَا يُمْحَى بِهِ الذَّنْبُ فَلَا ثَوَابَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ كَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ ، وَالْعَمَلُ الَّذِي يُغْفَرُ بِهِ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَمَغْفِرَةٌ كَالذِّكْرِ ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ : لَا ثَوَابَ فِي الْمَصَائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ غَيْرُ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ ، وَفَسَّرُوا الْمُكَفِّرَ بِالْوُضُوءِ الْمُسْبِغِ فِي الْمَكَارِهِ ، وَنَقْلِ الْأَقْدَامِ إلَى الصَّلَاةِ فَهَذَا وَنَحْوُهُ

١٦٬٩٥٥ / ١٧٬٤٣٨