شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل من فعل ذنبا كبيرا ثم طاعة بلا قصد توبة منه

الجزء ٣٤ · صفحة ٤٥٤

مِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ ، وَمَنْ خَتَمَهُ بِالنَّكْثِ وَالْإِصْرَارِ وَانْتِحَالِ الْبَاطِلِ دِينًا خَلَعْنَاهُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِمَاضِي حَسَنَاتِهِ لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَبِالْعَكْسِ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ أَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ﴾ " وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّهُ أَتْبَعَهَا بِقَصْدِ الْمَحْوِ لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ السَّيِّئَاتِ فَلْيُكْثِرْ الْحَسَنَاتِ لَعَلَّهَا تُصَادِفُهَا ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَكَذَا يَدُلُّ عَلَى الْغُفْرَانِ بِالْحَسَنَاتِ بِلَا قَصْدِ الْمَحْوِ بِهَا كُلُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ مَنْ فَعَلَ كَذَا رُفِعَ لَهُ كَذَا وَكَذَا دَرَجَةً وَحُطَّ عَنْهُ كَذَا أَوْ كَذَا سَيِّئَةً ، وَصَحَّحَ قَوْمُنَا أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا يَمْحُوهَا إلَّا الِاسْتِغْفَارُ مِنْهَا أَوْ قَصْدُهَا بِالْحَسَنَةِ مَعَ خَلَاصِ مَا لَزِمَ عَلَيْهَا مِنْ حَقٍّ .

﴿ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : إنْ أَحْدَثْتَ ذَنْبًا فَأَحْدِثْ عِنْدَهُ تَوْبَةً إنْ سِرًّا فَسِرًّا ، وَإِنْ عَلَانِيَةً فَعَلَانِيَةً ﴾ " وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْطَعُ بِأَنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ تُكَفِّرُ الذَّنْبَ قُطْعًا كَإِسْلَامِ الْكَافِرِ ، وَظَاهِرُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْأَرْجَحُ أَنَّ التَّكْفِيرَ وَاقِعٌ ظَنًّا وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ لَا تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ عَلَى الْأَصَحِّ .

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إجْمَاعًا بَلْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ التَّوْبَةِ ، وَيَدُلُّ لَهَا حَدِيثُ : " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ - إلَى قَوْلِهِ - مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ " وَقَالَ بَعْضٌ : إنَّهَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ إنْ لَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ يَجْتَنِبْ الْكَبَائِرَ ، وَيَرُدُّهُ الْحَدِيثُ ، وقَوْله تَعَالَى : ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ﴾ الْآيَةَ .

وَرِوَايَةُ : " ﴿ مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَحْضُرُ صَلَاةً مَكْتُوبَةً يُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً ﴾ " وَذَلِكَ أَيْضًا

١٦٬٩٥٤ / ١٧٬٤٣٨