شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في تصويب الحق وتخطئة الباطل

الجزء ٣٤ · صفحة ٤٩٠

قَالَ الْغَزَالِيُّ : مَسْأَلَةٌ ، مَا وَجْهُ قَوْلِ السَّلَفِ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؟ وَالِاسْتِثْنَاءُ شَكٌّ ، وَالشَّكُّ فِي الْإِيمَانِ كُفْرٌ ، وَقَدْ كَانُوا كُلُّهُمْ يَمْتَنِعُونَ عَنْ جَزْمِ الْجَوَابِ بِالْإِيمَانِ وَيَحْتَرِزُونَ مِنْهُ ، فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : مَنْ قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ الْكَذَّابِينَ ، وَمَنْ قَالَ : أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا فَهُوَ بِدْعَةٌ ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَاذِبًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فِي نَفْسِهِ ، وَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فِي نَفْسِهِ كَانَ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَا أَنَّ مَنْ كَانَ طَوِيلًا أَوْ شَيْخًا فِي نَفْسِهِ وَعَلِمَ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَلِكَ ، وَكَذَا مَنْ كَانَ مَسْرُورًا أَوْ حَزِينًا أَوْ سَمِيعًا أَوْ بَصِيرًا ، وَلَوْ قِيلَ لِلْإِنْسَانِ : هَلْ أَنْتَ حَيَوَانٌ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَقُولَ : أَنَا حَيَوَانٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَمَّا قَالَ سُفْيَانُ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ : فَمَاذَا نَقُولُ ؟ قَالَ : قَالَ تَعَالَى : ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا ﴾ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَقُولُوا : آمَنَّا ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولُوا : أَنَا مُؤْمِنٌ ؟ وَقِيلَ لِلْحَسَنِ : أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقِيلَ لَهُ : تَسْتَثْنِي يَا أَبَا سَعِيدٍ فِي الْإِيمَانِ ؟ فَقَالَ : أَخَافُ أَنْ أَقُولَ نَعَمْ ، فَيَقُولُ اللَّهُ : كَذَبْت يَا حَسَنُ ، فَتَحِقُّ عَلَيَّ الْكَلِمَةُ ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : إذَا قِيلَ لَك : أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ ؟ فَقُلْ : " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " ، وَقَالَ مَرَّةً : قُلْ : لَا أَشُكُّ فِي الْإِيمَانِ وَسُؤَالُك إيَّايَ بِدْعَةٌ ، وَقِيلَ لِعَلْقَمَةَ : أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَرْجُو إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَمَا نَدْرِي مَا نَحْنُ عِنْدَ اللَّهِ فَمَا مَعْنَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ صَحِيحٌ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ خَوْفًا مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَرْذِيلًا لِنَفْسِهِ وَتَضْعِيفًا عَنْ إخْبَارِهِ عَنْهَا بِأَنَّهَا

١٦٬٩٩٠ / ١٧٬٤٣٨