شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في تصويب الحق وتخطئة الباطل

الجزء ٣٤ · صفحة ٤٩١

مُؤْمِنَةٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ ﴿ أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ ، ﴿ اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ .

وَقِيلَ لِحَكِيمٍ : مَا الصِّدْقُ الْقَبِيحُ ؟ قَالَ : ثَنَاءُ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَالْإِيمَانُ مِنْ أَعْلَى صِفَاتِ الْحَمْدِ ، وَالْجَزْمُ بِهِ تَزْكِيَةٌ مُطْلَقَةٌ ، وَيُقَالُ : أَنْتَ طَبِيبٌ أَوْ فَقِيهٌ أَوْ مُفَسِّرٌ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَوْ سُئِلَ عَنْ وَصْفِ ذَمٍّ لَمْ يَحْسُنْ اسْتِثْنَاؤُهُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ تَأَدُّبًا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَحْوَالِ كَمَا مَرَّ ، وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ﴾ " ، وَلَا يُشَكُّ فِي اللُّحُوقِ ، وَصَارَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْعُرْفِ عِبَارَةً عَنْ إظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِي شَيْءٍ يُقَالُ لَك يُقْدِمُ إلَيْك كَذَا أَوْ يَمُوتُ فُلَانٌ أَوْ لَا يَمُوتُ فَتَقُولُ : إنْ شَاءَ اللَّهُ الثَّالِثُ : أَنْ يَقُولَ : أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ شَاكًّا فِي كَمَالِ إيمَانِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا كُفْرًا ، لِأَنَّ النِّفَاقَ يُزِيلُ كَمَالَ الْإِيمَانِ وَلَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ ، وَقَدْ خَافَهُ عَمْرٌو لِأَنَّهُ يَكْمُلُ بِكَمَالِ الطَّاعَاتِ وَلَعَلَّهَا لَمْ تَكْمُلْ .

قَالَ بَعْضٌ : أَقْرَبُ النَّاسِ عَنْ النِّفَاقِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ ، وَقِيلَ لِلْحَسَنِ : إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ إنَّا لَا نَخَافُ النِّفَاقَ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَأَنْ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ النِّفَاقِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تِلَاعِ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَقَالَ رَجُلٌ : أَخَافُ أَنْ أَكُونَ مُنَافِقًا ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ : لَوْ كُنْت مُنَافِقًا مَا خِفْت النِّفَاقَ ، إنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ أَمِنَ النِّفَاقَ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَدْرَكْت ثَلَاثِينَ وَمِائَةً ، وَفِي رِوَايَةٍ : خَمْسِينَ وَمِائَةً ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُونَ النِّفَاقَ ،

١٦٬٩٩١ / ١٧٬٤٣٨