شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الحكم في الدار والسيرة فيها

الجزء ٣٥ · صفحة ١١٠

الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ فِي رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ ، قَالُوا : أَوَّلُ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنُبُوَّتِهِ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ أُنْزِلَ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا بِمَرَّةٍ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقِيلَ : بُعِثَ فِي رَجَبٍ وَفِي السُّؤَالَاتِ " : فَإِنْ قَالَ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ ؟ قَالَ بَعْضٌ : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُتَعَبِّدًا بِذَلِكَ مَا لَمْ يُنْسَخْ .

وَقِيلَ : لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ إلَّا شَرِيعَةَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا ، وَقَالَ بَعْضٌ : هُوَ شَرْعٌ لَنَا إلَّا مَا ثَبَتَ نَسْخُهُ ، وَقِيلَ : شَرْعُ إبْرَاهِيمَ وَحْدَهُ لَا غَيْرَهُ ، وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو عَنْ الشَّيْخِ يخلفتن بْنِ أَيُّوبَ : أَنْ لَيْسَ شَرْعُ إبْرَاهِيمَ يَلْزَمُنَا إلَّا فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَحْدَهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : شَرِيعَةُ مُوسَى شَرْعٌ لَنَا إلَّا مَا نَسَخَتْ مِنْهُ شَرِيعَةُ عِيسَى ، وَقِيلَ : شَرِيعَةُ مُوسَى شَرْعٌ لَنَا دُونَ غَيْرِهَا .

وَقَالَ آخَرُونَ : تَعَبُّدُنَا بِشَرِيعَةِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ﴾ ، أَيْ مِنْ دِينِهِ ، أَيْ دِينِ نُوحٍ ، وَقِيلَ : مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ نَتَعَبَّدْ بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الشَّرَائِعِ إلَّا مَا لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ كَالتَّوْحِيدِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ وَإِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ قَوْله تَعَالَى : ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ ﴾ وَبِهَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالسُّنَنِ الْمَاضِيَةِ ، وَكُلُّ مَا كَانَ شَرْعًا لَنَا فَهُوَ شَرْعٌ لِلرَّسُولِ

١٧٬١١٠ / ١٧٬٤٣٨