باب في الطعن في دين المسلمين
الجزء ٣٥ · صفحة ٢٣٨إلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ غِيلَةً دُونَ دَعْوَةٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، وَعَلَّلَ بِأَذَاهُ لَهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ لِلْأَذَى لَا لِلْإِشْرَاكِ ﴿ وَأَمَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، إلَّا أَرْبَعَةً مِنْهُمْ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ اخْتَفَى عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إلَى هَذَا حِينَ كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ، فَقَالُوا : مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ أَلَا أَوْمَأْتَ إلَيْنَا ؟ قَالَ : إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ وَأَمَرَ بِقَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأْمُرُ جَارِيَتَيْهِ أَنْ تُغَنِّيَا بِهِ ، وَلِذَلِكَ قَتَلَ جَارِيَتَيْهِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي قَتْلِ مَنْ آذَاهُ ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ لَا نَدْرِي هَلْ عَفَا فَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَقْتُلَ مُؤْذِيَهُ بَقَاءً عَلَى الْعُمُومِ ﴾ .
قَالَ عِيَاضٌ وَالْخَطَّابِيُّ وَابْنُ سَحْنُونَ : اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى قَتْلِ مُنْتَقِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَابِّهِ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْتَلُ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِكُ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالشَّافِعِيُّ ، قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ : ذَلِكَ رِدَّةٌ ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ اسْتِتَابَتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَرَمًا بِالْإِسْلَامِ وَرُبَّمَا عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فَتَزُولُ ، وَقِيلَ : تُسْتَحَبُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونِ الدَّمِ ، وَالِاسْتِتَابَةُ فِي الْحَالِ ،