شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الطعن في دين المسلمين

الجزء ٣٥ · صفحة ٢٦٢

وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَثِيرًا مَا يَخْرُجُ إلَى سَاحَةِ الدَّارِ بِلَيْلٍ وَيَقُولُ : " وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً " وَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى اللَّهِ فَلَمْ أَرَهُ يَقْبَلُنِي .

قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : دَخَلَ هُوَ وَجَابِرٌ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَعَاتَبَاهَا عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا يَوْمَ الْجَمَلِ فَتَابَتْ ، وَاسْتَغْفَرَتْ مِمَّا كَانَ مِنْهَا ، وَكَانَ أَبُو بِلَالٍ لَا يُفَارِقُ جَابِرًا بَعْدَ مَا يُصَلِّي الْعَتَمَةَ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَ مَنْزِلَيْهِمَا فَيَقُولُ لَهُ : اُرْفُقْ بِنَفْسِكَ ، أَوْ كَلَامًا مِثْلَ هَذَا ، فَيُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ ، وَمِنْ أَمَانَتِهِ وَثِقَتِهِ بِاَللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ سَجَنَهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَرَأَى السَّجَّانُ اجْتِهَادَهُ ، فَقَالَ : إنْ تَرَكْتُكَ تَبِيتُ عِنْدَ أَهْلِكَ أَتَرْجِعُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ عِنْدَ أَهْلِهِ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ أَرَادَ قَتْلَهُمْ غَدًا فَرَجَعَ أَبُو بِلَالٍ إلَى السِّجْنِ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ أَهْلُهُ : اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ ، قَالَ : أَتُرِيدُونَ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ غَادِرًا ؟ وَقَالَ لِلسَّجَّانِ : وَقَدْ عَلِمْتُ رَأْيَ صَاحِبِكَ ، قَالَ : أَعَلِمْتَ وَجِئْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَتَلَ ابْنُ زِيَادٍ مَنْ فِي السِّجْنِ ، فَأَخْبَرَهُ السَّجَّانُ بِفِعْلِهِ فَأَطْلَقَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمِنْ شَجَاعَتِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ خَرَجَ فِي أَرْبَعِينَ فَهَزَمَ أَلْفَيْنِ ، وَذَكَرْتُ كَلَامًا فِي شَجَاعَتِهِ فِي كِتَابِ الدِّمَاءِ ، وَإِنَّ أَمِيرَ الْقِتَالِ يُعَيَّرُ لِأَنَّهُ هَرَبَ خَوْفًا مِنْ أَبِي بِلَالٍ ، يَقُولُ لَهُ الصِّبْيَانُ : أَبُو بِلَالٍ ، أَبُو بِلَالٍ ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ الشُّرَطَ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُ النَّاسَ ، وَسَبَبُ خُرُوجِهِ أَنَّ زِيَادًا قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ : لَآخُذَنَّ الْمُحْسِنَ بِالْمُسِيءِ ، وَالْحَاضِرَ بِالْغَائِبِ ، وَالصَّحِيحَ بِالسَّقِيمِ ، فَقَامَ إلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَكَذَا ذَكَرَ اللَّهُ إذْ

١٧٬٢٦٢ / ١٧٬٤٣٨