شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

خاتمة في مبادئ التصوف

الجزء ٣٥ · صفحة ٣٩٠

( خَاتِمَةٌ ) فِي مَبَادِئِ التَّصَوُّفِ وَشَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفُ : هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الصَّفَاءِ ، فَفِيهِ الْقَلْبُ الْمَكَانِيُّ إذْ قُدِّمَتْ الْوَاوُ عَلَى الْفَاءِ لِأَنَّ أَصْلَهُ الصَّفْوَةُ ، وَهُوَ مُصَفٍّ لِلْقَلْبِ ، وَقِيلَ : سُمُّوا صُوفِيَّةً لِصَفَاءِ أَسْرَارِهِمْ وَبَقَاءِ آثَارِهِمْ ، وَالْمُرَادُ بِبَقَاءِ الْآثَارِ طَهَارَةُ الظَّاهِرِ عَنْ الْمُخَالَفَاتِ فَإِنَّهَا مِنْ آثَارِ صَفَاءِ الْأَسْرَارِ عَنْ الْكُدُورَاتِ ، وَقِيلَ : سُمُّوا صُوفِيَّةً لِلُبْسِهِمْ الصُّوفَ لِأَنَّهُ كَانَ لِبَاسَ الْأَنْبِيَاءِ وَشِعَارَ الصَّالِحِينَ ، وَهَذَا لَا قَلْبَ فِيهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ : التَّصَوُّفُ تَجْرِيدُ الْقَلْبِ لِلَّهِ وَاحْتِقَارُ مَا سِوَاهُ ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى عَمَلِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ ، وَمَعْنَى احْتِقَارِ مَا سِوَاهُ احْتِقَارُ مَا لَيْسَ لِلَّهِ فَتَعْظِيمُنَا الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ وَالْعُلَمَاءَ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّ اللَّهَ عَظَّمَهُمْ وَأَمَرَنَا بِتَعْظِيمِهِمْ ، فَتَعْظِيمُهُمْ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ فَلَيْسَ تَعْظِيمُهُمْ خَارِجًا عَنْ تَجْرِيدِ الْقَلْبِ لِلَّهِ أَوْ مَعْنَى احْتِقَارِ مَا سِوَاهُ : اعْتِقَادُ أَنَّ سِوَاهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ إذْ الْمُؤَثِّرُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِلَّا فَاحْتِقَارُ هَؤُلَاءِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ الطَّاعَاتِ أَوْ الْمَسَاجِدِ كُفْرٌ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ " فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَقَدْ قِيلَ : التَّصَوُّفُ الْجِدُّ فِي السُّلُوكِ إلَى مَلِكِ الْمُلُوكِ ، وَقِيلَ : وَقْفُ الْهِمَمِ عَلَى مَوْلَى النِّعَمِ ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ الْفَارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَقَدْ قِيلَ : الْمُوَافَقَةُ لِلْحَقِّ فِي الْمُخَالَفَةِ لِلْخَلْقِ ، وَقِيلَ : النُّبُوُّ عَنْ الْمَرَاتِبِ الدُّنْيَا وَالسُّمُوُّ إلَى الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا ، وَقِيلَ : التَّصَوُّفُ حَمْلُ النَّفْسِ عَلَى الشَّدَائِدِ لِلرَّيِّ مِنْ شَرَفِ الْمَوَارِدِ ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ عُثْمَانَ : وَقَدْ قِيلَ : إنَّ التَّصَوُّفَ الْإِكْفَافُ عَلَى الْعَمَلِ تَطَرُّقًا إلَى بُلُوغِ الْأَمَلِ ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيٍّ :

١٧٬٣٩٠ / ١٧٬٤٣٨