شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

خاتمة في مبادئ التصوف

الجزء ٣٥ · صفحة ٣٩٦

طَلَبَك لَهُ بِهِ وَوُجُودَك إيَّاهُ مِنْهُ ، فَهُوَ الْمُبْتَدِئُ بِالْفَضْلِ ، بَلْ هُوَ الْمُجْزِي وَالْمُبْدِي لِلصُّنْعِ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يُوَفِّقُنَا لِطَاعَتِهِ بِرَحْمَتِهِ .

وَأَمَّا الْفَرْدُ فَمَعْنَاهُ الْوَاحِدُ بِتَفْسِيرِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَأَمَّا الصَّمَدُ فَمَعْنَاهُ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَزُولُ ، وَقِيلَ : الدَّائِمُ ، وَقِيلَ : الَّذِي لَا يُطْعَمُ ، وَقِيلَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ ، أَيْ لَا يُوصَفُ بِالْجَوَارِحِ وَالْجِسْمِيَّةِ كَمَا لَا يُوصَفُ بِالْعَرَضِ ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ ، أَيْ يُقْصَدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَقِيلَ : السَّيِّدُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّؤْدُدُ وَهُوَ رَاجِعٌ لِلْقَوْلِ قَبْلَهُ ، لِأَنَّهُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ قُصِدَ بِالْحَوَائِجِ ، وَإِذَا قِيلَ : إنَّهُ بِمَعْنَى الْبَاقِي الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَزُولُ ، فَمِنْ حَقِّ مَنْ عَرَفَهُ بِهَذَا الْوَصْفِ أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ بِالْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ وَوَشْكِ الِارْتِحَالِ ، وَيُلَاحِظَ الْكَوْنَ بِعَيْنِ الْفَنَاءِ فَيَزْهَدُ فِي حُطَامِهَا وَلَا يَرْغَبُ فِي حَلَالِهَا فَضْلًا عَنْ حَرَامِهَا ( فَمَنْ عَرَفَهُ ) ، أَيْ عَرَفَ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ ( تَصَوَّرَ تَبْعِيدَهُ ) ، أَيْ تَبْعِيدَ اللَّهِ لَهُ بِالْخِذْلَانِ وَالْإِضْلَالِ .

( وَتَقْرِيبَهُ ) لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ بِقَلْبِهِ صُورَةَ التَّبْعِيدِ وَالتَّقْرِيبِ اللَّذَيْنِ لَا بُدَّ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَتَقْرِيبُهُ هُوَ نَفْسُ هِدَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ ، وَتَبْعِيدُهُ هُوَ نَفْسُ خِذْلَانِهِ وَإِضْلَالِهِ ، فَالْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ وَالْهَاءَانِ لِلَّهِ ، أَيْ تَبْعِيدُهُ الْمُكَلَّفَ الْعَارِفَ وَتَقْرِيبُهُ الْمُكَلَّفَ ، وَيَجُوزُ عَوْدُهَا لِذَلِكَ الْمُكَلَّفِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ عَلَى هَذَا ، أَوْ الْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ ، وَإِنَّمَا فَسَّرْت التَّبْعِيدَ وَالتَّقْرِيبَ بِذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ قُرْبِ الْمَسَافَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعَالَى وَمَا ذَكَرْته مِنْ تَفْسِيرِ

١٧٬٣٩٦ / ١٧٬٤٣٨