خاتمة في مبادئ التصوف
الجزء ٣٥ · صفحة ٤١٠وَاَلَّذِي يَجْرِي فِي النَّفْسِ خَمْسُ مَرَاتِبَ : مَرْتَبَةُ الْهَاجِسِ وَهُوَ مَا يُلْقَى فِي النَّفْسِ ، ثُمَّ الْخَاطِرِ وَهُوَ مَا يَجُولُ فِيهَا بَعْدَ إلْقَائِهِ ، ثُمَّ حَدِيثِ النَّفْسِ وَهُوَ تَرَدُّدُهَا بَيْنَ فِعْلِ الْخَاطِرِ وَتَرْكِهِ ، ثُمَّ الْهَمِّ أَيْ قَصْدِ الْفِعْلِ ، ثُمَّ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ جَازِمًا وَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِهِ دُونَ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ : ﴿ إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ ؟ قَالَ : إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ مَرَاتِبُ الْقَصْدِ خَمْسٌ هَاجِسٌ ذَكَرُوا فَخَاطِرٌ فَحَدِيثُ النَّفْسِ فَاسْتَمَعَا يَلِيهِ هَمٌّ وَعَزْمٌ كُلُّهَا رُفِعَتْ سِوَى الْأَخِيرِ فَفِيهِ الْإِثْمُ قَدْ وَقَعَا وَقَالَ بَعْضٌ : هَاجِسٌ خَاطِرٌ حَدِيثٌ لِنَفْسِ ثُمَّ هَمٌّ لَا إثْمَ إلَّا بِعَزْمِ ( وَإِنْ لَمْ تُطِعْكَ ) النَّفْسُ ( الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ ) عَلَى اجْتِنَابِ فِعْلِ الْخَاطِرِ لِلْجِهَادِ بِالطَّبْعِ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ الشَّهَوَاتِ فَلَا تَبْدُو لَهَا شَهْوَةٌ إلَّا اتَّبَعَتْهَا ( فَجَاهِدْهَا وُجُوبًا ) لِتُطِيعَك فِي الِاجْتِنَابِ ، كَمَا تُجَاهِدُ مَنْ يَقْصِدُ اغْتِيَالَك ، بَلْ أَعْظَمُ لِأَنَّهَا تَقْصِدُ بِكَ الْهَلَاكَ الْأَبَدِيَّ بِاسْتِدْرَاجِهَا لَك مِنْ مَعْصِيَةٍ إلَى أُخْرَى حَتَّى تُوقِعَك فِيمَا يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ ( فَإِنْ فَعَلْتَ ) بِفَتْحِ التَّاءِ ذَلِكَ الْخَاطِرَ لِغَلَبَةِ أَمَّارَتِك بِالسُّوءِ عَلَيْك ( فَتُبْ عَلَى الْفَوْرِ ) وُجُوبًا بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ بِلَا مُهْلَةٍ لِيَرْتَفِعَ عَنْك الْإِثْمُ لِوَعْدِ اللَّهِ قَبُولَ التَّوْبَةِ فَضْلًا مِنْهُ ، وَالْفِعْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَشْمَلُ الْقَوْلَ وَالِاعْتِقَادَ وَالنُّطْقَ وَيَشْمَلُ التَّرْكَ ، فَإِنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ كَسْبٌ لِلْمَعْصِيَةِ .
( فَإِنْ لَمْ تُقْلِعْ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ تَنْكَفَّ عَنْ فِعْلِ الْخَاطِرِ الْمَذْكُورِ ( لِاسْتِلْذَاذٍ ) بِهِ ( أَوْ كَسَلٍ ) عَنْ الْخُرُوجِ