خاتمة في مبادئ التصوف
الجزء ٣٥ · صفحة ٤٢١( وَ ) الْقُدْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلْعَبْدِ ( هِيَ الِاسْتِطَاعَةُ وَ ) الِاسْتِطَاعَةُ ( هِيَ مَعَ الْفِعْلِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ ) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ( فَاَللَّهُ خَالِقٌ لَا مُكْتَسِبٌ ، وَالْعَبْدُ مُكْتَسِبٌ لَا خَالِقٌ ) فَيُثَابُ وَيُعَاقَبُ عَلَى مُكْتَسَبِهِ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ عَقِبَ قَصْدِهِ لَهُ وَكَوْنُ فِعْلِ الْعَبْدِ مُكْتَسَبًا لَهُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى تَوَسُّطٌ بَيْنَ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ : إنَّ الْعَبْدَ خَالِقٌ لِفِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُثَابُ وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ .
وَقَدْ مَرَّ رَدُّهُ ، وَبَيْنَ قَوْلِ الْجَبْرِيَّةِ : إنَّهُ لَا فِعْلَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا وَالْعَبْدُ هُوَ آلَةٌ مَحْضَةٌ كَالسِّكِّينِ فِي يَدِ الْقَاطِعِ ، وَالْمُعْتَزِلَةُ إنَّمَا يَقُولُونَ إنَّ الْفَاعِلَ خَالِقٌ لِفِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ لَا لِلْفِعْلِ الِاضْطِرَارِيِّ كَحَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَالْعُرُوقِ الْمُتَحَرِّكَةِ فِي الْإِنْسَانِ ، وَكَانَتْ أَوَائِلُ الْمُعْتَزِلَةِ كَوَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَا خَالِقَ إلَّا اللَّهُ يَتَحَاشَوْنَ عَنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الْخَالِقِ عَلَى الْعَبْدِ ، وَيَكْتَفُونَ بِلَفْظِ الْمُخْتَرِعِ وَالْمُوجِدِ وَنَحْوِهِمَا وَحِينَ رَأَى أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَأَتْبَاعُهُ أَنَّ مَعْنَى الْكُلِّ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمُخْرِجُ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ تَجَاسَرُوا عَلَى إطْلَاقِ لَفْظِ الْخَالِقِ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَاقِعَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهَا ، وَلَيْسَ لِقُدْرَتِهِمْ تَأْثِيرٌ فِيهَا ، بَلْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِأَنْ يُوجِدَ فِي الْعَبْدِ قُدْرَةً وَاخْتِيَارًا ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَانِعٌ أَوْجَدَ فِيهِ فِعْلَهُ الْمَقْدُورَ مُقَارَنًا لَهُمَا فَيَكُونُ فِعْلُ الْعَبْدِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ إبْدَاعًا وَإِحْدَاثًا وَمَكْسُوبًا لِلْعَبْدِ ، وَالْمُرَادُ بِكَسْبِهِ إيَّاهُ مُقَارَنَتُهُ لَقُدْرَتِهِ ، وَإِرَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مِنْهُ تَأْثِيرٌ