خاتمة في مبادئ التصوف
الجزء ٣٥ · صفحة ٤٢٢أَوْ مَدْخَلٌ فِي وُجُودِهِ سِوَى كَوْنِهِ مَحِلًّا لَهُ ، هَذَا مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ ، وَخَالَفَهُ قَوْمٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ .
فَقَالَ الْإسْفَرايِينِيّ : فِعْلُ الْعَبْدِ وَاقِعٌ بِهُجُومِ الْقُدْرَتَيْنِ : قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقُدْرَةِ الْعَبْدِ ، الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لَهُ بِأَنْ تَتَعَلَّقَا جَمِيعًا بِالْفِعْلِ بِنَفْسِهِ ، وَجُوِّزَ اجْتِمَاعُ مُؤْثَرَيْنِ عَلَى أَثَرٍ وَاحِدٍ ، وَقَالَ الْبَاقِلَّانِيُّ : وَاقِعٌ بِمَجْمُوعِهِمَا ، بِمَعْنَى أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَصْلِ الْفِعْلِ ، وَقُدْرَةَ الْعَبْدِ بِصِفَتِهِ مِنْ كَوْنِهِ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً وَغَيْرَهُمَا مِمَّا يُوصَفُ بِهِ فِعْلُ الْعَبْدِ كَمَا فِي ضَرْبِ الْيَتِيمِ تَأْدِيبًا وَضَرْبِهِ إيذَاءً ، فَإِنَّ ذَاتَ الضَّرْبِ وَاقِعَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَوْنَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى طَاعَةً وَفِي الثَّانِيَةِ مَعْصِيَةً بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ وَتَأْثِيرِهِ .
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ كَالْحُكَمَاءِ : وَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَامْتِنَاعِ التَّخَلُّفِ بِقُدْرَةٍ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَبْدِ إذَا قَارَنَتْ حُصُولَ الشَّرَائِطِ وَارْتِفَاعَ الْمَوَانِعِ وَاَلَّذِي فِي الْإِرْشَادِ وَلُمَعِ الْأَدِلَّةِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْجَرْيُ عَلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ ، وَالضَّابِطُ لِلْمَذْهَبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ : الْمُؤَثِّرُ فِي فِعْلٍ إمَّا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ بِلَا قُدْرَةٍ مِنْ الْعَبْدِ أَصْلًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ ، أَوْ بِلَا تَأْثِيرٍ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ ، أَوْ الْمُؤَثِّرُ قُدْرَةُ الْعَبْدِ فَقَطْ بِلَا إيجَابٍ وَاضْطِرَارٍ بَلْ بِاخْتِيَارٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ ، أَوْ بِالْإِيجَابِ وَامْتِنَاعِ التَّخَلُّفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحُكَمَاءِ .
وَالْمَرْوِيُّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَوْ مَجْمُوعُ الْقُدْرَتَيْنِ عَلَى أَنْ يُؤَثِّرَا فِي أَصْلِ الْفِعْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإسْفَرايِينِيّ ، أَوْ عَلَى أَنْ تُؤَثِّرَ قُدْرَةُ الْعَبْدِ فِي وَصْفِهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ مَوْصُوفًا بِمِثْلِ كَوْنِهِ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً