شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

خاتمة في مبادئ التصوف

الجزء ٣٥ · صفحة ٤٢٤

مَنْسُوبٌ إلَيْهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُ ، وَإِنَّمَا يَخْلُقُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذَا فِي الْقَلْبِ لِيُظْهِرَ مِنْ الْمُكَلَّفِ مَا سَبَقَ عِلْمُهُ تَعَالَى بِظُهُورِهِ مِنْهُ مِنْ مُخَالَفَةٍ أَوْ طَاعَةٍ وَلَيْسَ لِلْعِلْمِ خَاصِّيَّةُ التَّأْثِيرِ لِيَكُونَ مَجْبُورًا ، وَلَا خَلْقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تُوجِبُ اضْطِرَارَهُ إلَى الْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَقْدَرَهُ فِيمَا يَخْتَارُهُ ، وَيَمِيلُ إلَيْهِ مِنْ دَاعِيَةٍ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ إذْ مِنْ الْمُسْتَمِرِّ تَرْكُ الْإِنْسَانِ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَخْتَارُهُ وَفِعْلُ الشَّيْءِ وَهُوَ يَكْرَهُهُ لِخَوْفٍ أَوْ حَيَاءٍ ، فَعَنْ ذَلِكَ الْعَزْمِ الْكَائِنِ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ الْمَخْلُوقَةِ لِلَّهِ صَحَّ تَكْلِيفُهُ وَثَوَابُهُ وَعِقَابُهُ وَمَدْحُهُ وَذَمُّهُ ، وَانْتَفَى التَّكْلِيفُ وَالْجَبْرُ الْمَحْضُ ، وَكَفَى فِي التَّخْصِيصِ لِتَصْحِيحِ التَّكْلِيفِ هَذَا الْأَمْرُ الْوَاحِدُ أَعْنِي الْعَزْمَ الْمُصَمَّمَ مَعَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ خَلْقِهِ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ وَمَا سِوَاهُ مِمَّا لَا يُحْصَى مِنْ الْأَفْعَالِ الْجُزْئِيَّةِ ، وَالتُّرُوكُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُتَأَثِّرَةٌ عَنْ قُدْرَتِهِ ابْتِدَاءً بِلَا وَاسِطَةِ قُدْرَةٍ حَادِثَةٍ مُتَأَثِّرَةٍ عَنْ قُدْرَتِهِ تَعَالَى ، وَمَعَ ذَلِكَ فَحُسْنُ هَذَا الْعَزْمِ لَا يَقَعُ إلَّا بِتَوْفِيقٍ مِنْهُ تَعَالَى تَفَضُّلًا فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ مَعَ الشَّهْوَةِ الْغَالِبَةِ وَهَوَى النَّفْسِ مَوَانِعَ تُشْبِهُ الْقَوَاسِرَ فَلَا تُغْلَبُ إلَّا بِمَعُونَةِ التَّوْفِيقِ .

قَالَ السَّعْدُ : إنَّ صَرْفَ الْعَبْدِ قُدْرَتَهُ وَإِرَادَتَهُ إلَى الْفِعْلِ كَسْبٌ ، وَإِيجَادُ اللَّهِ الْفِعْلَ عَقِبَ ذَلِكَ خَلْقٌ ، وَالْمَقْدُورُ الْوَاحِدُ دَاخِلٌ تَحْتَ قُدْرَتَيْنِ ، لَكِنْ بِجِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ، فَالْفِعْلُ مَقْدُورُ اللَّهِ تَعَالَى بِجِهَةِ الْإِيجَادِ وَمَقْدُورُ الْعَبْدِ بِجِهَةِ الْكَسْبِ ، وَمَذْهَبُنَا فِي الْقُدْرَةِ هُوَ مَا مَرَّ عَنْ تبغورين وَغَيْرِهِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ إذْ هُمَا وَاحِدٌ ، وَعَرَّفَ فِي الْمَوَاقِفِ الْقُدْرَةَ بِأَنَّهَا صِفَةٌ تُؤَثِّرُ

١٧٬٤٢٤ / ١٧٬٤٣٨