خاتمة في مبادئ التصوف
الجزء ٣٥ · صفحة ٤٢٥وَفْقَ الْإِرَادَةِ وَخَرَجَ مَا لَا يُؤَثِّرُ كَالْعِلْمِ وَمَا يُؤَثِّرُ بِلَا إرَادَةٍ كَالطَّبْعِيَّةِ لِلْبَسَائِطِ الْعُنْصُرِيَّةِ ، وَقِيلَ : الْقُدْرَةُ مَا هُوَ مَبْدَأٌ لِلْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ .
وَالْمُرَادُ بِالْمَبْدَإِ الْفَاعِلُ الْمُؤَثِّرُ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِهَا وَالطَّبْعِيَّاتُ فَاعِلَةٌ ، وَلِلنَّفْسِ الْفَلَكِيَّةِ قُدْرَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهَا تُؤَثِّرُ عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ لَا عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَبْدَأً لِأَفَاعِيلَ مُخْتَلِفَةٍ بَلْ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ عَلَى نِسْبَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ الشُّعُورِ بِهِ وَالْقُوَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ قُدْرَةٌ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ لِكَوْنِهَا صِفَةً مُؤَثِّرَةً وَفْقَ الْإِرَادَةِ وَمَبْدَأٌ قَرِيبٌ لِأَفْعَالٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالْقُوَى الْعُنْصُرِيَّةُ لَيْسَتْ قُدْرَةً عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ إذْ لَا إرَادَةَ لَهَا وَلَا شُعُورَ ، وَلَيْسَتْ أَفْعَالُهَا مُخْتَلِفَةً ، بَلْ عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ ، وَسَوَاءٌ أُرِيدَ بِالْقُوَى الْعُنْصُرِيَّةِ مَا هُوَ صُورَةٌ مُقَوِّمَةٌ لَهَا فَفِي الْأَجْسَامِ الْبَسِيطَةِ تُسَمَّى طَبْعِيَّةً كَالنَّارِيَّةِ وَالْمَائِيَّةِ ، وَفِي الْأَجْسَامِ الْمُرَكَّبَةِ تُسَمَّى صُورَةً نَوْعِيَّةً لِذَلِكَ الْمُرَكَّبِ كَالصُّورَةِ الْمُبَرِّدَةِ لِلْأَفْيُونِ ، أَوْ مَا هُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِهَا كَالْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ وَيَرُدُّ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ فَإِنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي فِعْلٍ أَصْلًا ، وَلَيْسَتْ مَبْدَأَ الْأَثَرِ وَتَعَلُّقُهَا بِالْفِعْلِ يُسَمَّى كَسْبًا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ الْحَادِثَةَ لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِعْلُ الْعَبْدِ بِقُدْرَتِهِ وَتَأْثِيرِهَا فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ فَلَوْ أَرَادَ شَيْئًا وَأَرَادَ الْعَبْدُ ضِدَّهُ فَلَوْ وَقَعَا لَاجْتَمَعَ الضِّدَّانِ ، أَوْ كَانَ كِلَاهُمَا لَمْ يَقَعْ لَارْتَفَعَ الضِّدَّانِ ، وَأَيْضًا الْمَانِعُ مِنْ وُقُوعِ مُرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا وُقُوعُ مُرَادِ الْآخَرِ ، فَإِذَا لَمْ يَقَعَا وَجَبَ وُقُوعُهُمَا فَتَجْتَمِعُ الضِّدَّانِ ، وَإِنْ لَمْ