خاتمة في مبادئ التصوف
الجزء ٣٥ · صفحة ٤٣٥( وَرَجَّحَ قَوْمٌ ) عَلَى الِاكْتِسَابِ ( التَّوَكُّلَ ) أَيْ تَجْرِيدَ التَّوَكُّلِ عَنْ الْكَسْبِ ، أَيْ التَّوَكُّلَ الَّذِي لَا كَسْبَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ لِمَا مَرَّ فِي مَحِلِّهِ أَنَّ التَّوَكُّلَ لَا يُنَافِي الْكَسْبَ ، قَالَ الْجُنَيْدُ : لَيْسَ التَّوَكُّلُ الْكَسْبَ وَلَا تَرْكَهُ ، بَلْ سُكُونُ الْقَلْبِ إلَى مَوْعُودِ اللَّهِ ، ( وَ ) رَجَّحَ ( آخَرُونَ ) عَلَى التَّوَكُّلِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الِاكْتِسَابِ ( الِاكْتِسَابَ ) الْمَقْرُونَ بِالتَّوَكُّلِ وَيُقَوِّي هَذَا الْقَوْلَ حَدِيثُ ﴿ اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرْسِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ ، أَوْ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ ؟ .
قَالَ : ﴿ اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ ﴾ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ قَالَ لَهُ ، ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا رَأَى مِنْ الرَّجُلِ ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَالْمُخْتَارُ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ ) ، فَمَنْ يَكُونُ فِي تَرْكِهِ الِاكْتِسَابَ لَا يَتَسَخَّطُ عَنْ ضِيقِ الرِّزْقِ وَلَا يَتَطَلَّعُ إلَى سُؤَالِ أَحَدٍ ، فَالتَّوَكُّلُ فِيهِ أَرْجَحُ لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّبْرِ وَالْمُجَاهَدَةِ لِلنَّفْسِ ، وَإِنْ خَافَ الْمَوْتَ أَوْ فَوْتَ عُضْوٍ وَجَبَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ ، وَمَنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَالْكَسْبُ لَهُ أَرْجَحُ ، وَعَابَ اللَّهُ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ الِانْفِرَادَ عَنْ النَّاسِ مَعَ الْحَاجَةِ وَالْجُوعِ ( وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ ) ، أَيْ قَالَ عَطَاءُ اللَّهِ فِي كِتَابِ الْحُكْمِ لَهُ قَوْلًا مَقْبُولًا غَيْرَ ضَعِيفٍ : ( إرَادَةُ التَّجْرِيدِ ) تَجْرِيدِ نَفْسِهِ عَمَّا يَشْغَلُ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِمَّا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِ الدُّنْيَا ( مَعَ دَاعِيَةِ الْأَسْبَابِ ) مِنْ اللَّهِ فِي مُرِيدِ ذَلِكَ ( شَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ مِنْ الْمُرِيدِ ) ، وَعِبَارَةُ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ : إرَادَتُك التَّجْرِيدَ ، وَقَدْ أَقَامَك فِي الْأَسْبَابِ مِنْ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ ، وَالْأَسْبَابُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى غَرَضٍ مِمَّا يُنَالُ فِي الدُّنْيَا .
وَمَعْنَى دَاعِيَةِ الْأَسْبَابِ : الْأَسْبَابُ الدَّاعِيَةُ إلَى