شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

خاتمة في مبادئ التصوف

الجزء ٣٥ · صفحة ٤٣٦

الِاشْتِغَالِ بِهِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَا يَكْفِيهِ ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا دَاعِيَةً لِأَنَّهَا قَدْ نَتَجَتْ لَهُ مَعَ سَلَامَةِ دِينِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ شَهْوَةً لِعَدَمِ وُقُوفِهِ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْكَسْبِ ، وَكَانَتْ خَفِيَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ لِذَلِكَ نِيلَ حَظٍّ عَاجِلٍ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِكَوْنِهِ عَلَى حَالٍ هِيَ أَعْلَى بِزَعْمِهِ ، لَكِنْ فَاتَهُ الْأَدَبُ بِعَدَمِ وُقُوفِهِ مَعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْكَسْبِ ، وَعَلَامَةُ إقَامَةِ اللَّهِ لَهُ فِي الْأَسْبَابِ أَنْ يَدُومَ لَهُ ذَلِكَ وَأَنْ يَحْصُلَ لَهُ ثَمَرَتُهُ وَنَتِيجَتُهُ ، وَذَلِكَ أَنْ يَجِدَ عِنْدَ تَشَاغُلِهِ بِالْأَسْبَابِ سَلَامَةً فِي دِينِهِ وَقَطْعًا لِطَبْعِهِ ، وَحُسْنَ نِيَّةٍ فِي صِلَةِ رَحِمٍ وَإِعَانَةَ فَقِيرٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ ( وَسُلُوكُ الْأَسْبَابِ ) الشَّاغِلَةِ عَنْ اللَّهِ ( مَعَ دَاعِيَةِ التَّجْرِيدِ ) مِنْ اللَّهِ فِي سَالِكِ ذَلِكَ بِأَنْ أَغْنَاهُ عَنْ الْكَسْبِ ، أَيْ مَعَ الْفَعْلَةِ الدَّاعِيَةِ لَهُ إلَى تَجْرِيدِ نَفْسِهِ عَنْ الْكَسْبِ ( انْحِطَاطٌ عَنْ الذُّرْوَةِ الْعَلِيَّةِ ) - بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا - ، وَالْعَلِيَّةُ نَعْتُ تَوْكِيدٍ ، فَإِنَّ ذُرْوَةَ الشَّيْءِ أَعْلَاهُ ، أَوْ نَعْتُ تَأْسِيسٍ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ ذُرْوَةُ الشَّيْءِ غَيْرَ عَالِيَةٍ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَمَا دُونَهُ ، فَأَفَادَ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الذُّرْوَةَ هُنَا وَهِيَ الِاشْتِغَالُ بِاَللَّهِ عَالِيَةٌ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ وَكُلِّ مَخْلُوقٍ ، فَالْأَصْلَحُ لِمَنْ قَدَّرَ اللَّهُ فِيهِ دَاعِيَةَ الْأَسْبَابِ سُلُوكُهَا دُونَ التَّجَرُّدِ ، وَلِمَنْ قَدَّرَ اللَّهُ فِيهِ دَاعِيَةَ التَّجَرُّدِ سُلُوكُهُ دُونَ الْأَسْبَابِ .

( وَقَدْ يَأْتِي الشَّيْطَانُ ) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ فِي مَحْيَانَا وَمَمَاتِنَا لِلْإِنْسَانِ ( بِإِطْرَاحِ ) - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ - ( جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى ) فِي صُورَةِ تَحْسِينِ الْأَسْبَابِ فَيَتَّبِعُ الشَّيْطَانَ وَيَتْرُكُ جَانِبَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ

١٧٬٤٣٦ / ١٧٬٤٣٨