68
الجزء ٤ · صفحة ٣٦٢﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا ﴾ مصر ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ﴾ أَى من أَبواب متفرقة ثلاث أَو رباع ، أَو مثنى أَو أحاد ، وهو المتبادر ، وحيث بمعنى المكان وهو هنا أَربعة أَبواب مصر ، وجواب لما هو قوله ﴿ مَا كَانَ يُغْنِى عنْهُم مِّنَ اللهِ مِنْ شَىْءٍ ﴾ وقيل محذوف ، أَى امتثلوا أَو قضوا حاجة أَبيهم ، وفيه أَنه لا فائدة فى هذا الجواب وهى حرف إِذ لو كانت ظرفا لم يوجد لها متعلق؛ لأَن ما النافية لها الصدر فلا يتعلق فيما بعدها ، فيجاب بأَنا لا نسلم أَن لها الصدر ، وإن كان لها صدر فالظرف الشرطى يخرفه كما قيل فى إِذا ، أَو محذوف أى قصدوا الملك أو حاجة أَبيهم ، وقيل : جوابها أَى وهو أَيضاً جواب للما الثانية لأَن دخولهم على يوسف عقب دخولهم صر ، كما تقول : لما جئتنى ولما كلمتنى أجبتك ، وما بينهما معترض ، أَو الجملة حال من واو دخلوا ، وضمير كان عائد إِلى يعقوب أَو إِلى رأْيه أَو إِلى دخولهم من حيث أَمرهم أَبوهم وهو اتباعهم رأْيه ، والماصدق واحد ، والمعنى ما أَغنى عنهم فى رفع العين بل رفعها الله ، ولا يقال أَنه لم يغن عنهم ذلك إِمساك أَخيهم بنيامين ، لأَنه أَمسكه يوسف لأَنا نقول : الكلام فى الإِغناءِ بدفع العين خاصة بدليل الأَمر بالدخول من أَبواب إِذ لا يخفى أَن الدخول من أَبواب لا يكون سببا لدفع إِمساك بنيامين ، وأَيضا لا شعو ليعقوب بإِِمساكه حين أَمرهم بأَبواب ، وأَيضاً شىءٌ نكرة فى سياق السلب تعم ، وقد وقاهم الله من إِصابة العين لأَن إِصابتها لا تختص بموت أَو ضر فى البدن ، وذكر بعض؛ أَن المراد السوءُ مطلقا وخصت العين لظهورها ، وحاصل الآية أنه لا يغنى عنهم من قضاء الله شىءٌ بل الله هو الدافع لما دفع من العين ، وما أَغنى شىءٌ مما قضى الله من نسبتهم إِلى السرقة ، ومن إِمساك بنيامين ، ويجوز أَن لا ضمير فى كان لما مر بل للشأْن ، والضمير فى يغنى لما مر وأَن يكون شىءٌ فاعل يغنى ﴿ إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفسِ يعْقُوبَ قَضَاها ﴾ يعقوب وهى دفع العين أَشفق أَن تصيبهم ، ومعنى قضاها أَرادها ، أَو أَظهرها وأَعلم بها أَولاده كقوله تعالى : ﴿ وقضينا إِلى بنى إِسرائيل فى الكتاب ﴾ والاستثناءُ منقطع ، ويجوز أَن يكون متصلا من باب قوله :
ولا عيب فيهم غير أَن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب
فالمعنى ما أَغنى عنهم ما وصاهم به أَبوهم إِلا شفقة ، ومن المعلوم أَن شفقة الأَب مع قدرة الله هباءٌ ، فما أَغنى عنهم شيئاً قط ، وقيل : فاعل قضى ضمير الدخول ﴿ وإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَأ علَّمْنَاهُ ﴾ بالوحى ونصب الحجج ، ولذلك لم يغتر بتدبيره ، بل فوض الأَمر إِلى الله D ، وما مصدرية أَى لتعلمنا أَو اسم أَى الذى علمناه إِياه ، وأَن العلم الحفظ والمراقبة ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ﴾ وهم المشركون ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ سر القدر أَنه لا يغنى عنه الحذر ، فيقصر نظرهم على الأَسباب ، أَو لا يعلمون إِلهام الله - D - لأَوليائِه ، أَو لا يعلمون وجوب الحذر ، ورد بأَنه يأْباه تخلف المطلوب من المبادىءِ ، أَو لا يعلمون أَن يعقوب بهذه المثابة .