88
الجزء ٤ · صفحة ٣٨٠﴿ فَلَمَّأ دَخَلُوا عليْهِ ﴾ خرجوا من عند أَبيهم للتحسس إِلى مصر ودخلوها ودخلوا على يوسف ، ولما دخلوا عليه ﴿ قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضَاعةٍ مُزْجَاةٍ فَأْوفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ هذه مرة ثالثة فى دخول مصر الأُولى ليكتالوا ، والثانية ليرجعوا بنيامين إليها ويزدادوا كيل بعير ، وهذه للتحسس ، ولكن قدموا ذكر مس الضر وهو الجوع وطلب إِيفاءِ الكيل والتصدق ، لأَن المتحسس يستعمل كل ما يظن أَنه يتوصل به إلى مطلوبه فاعترفوا له بالمسكنة أَولا ليقابلها بما يصلحا من الإِيفاء والتصدق ، وذلك استجلاب للرأْفة ، فإِن رق لهم طلبوا بنيامين وسأَلوه العمل فى يوسف وإلا شرعوا لا محالة فى بنيامين ويوسف أَو سكتوا ، والبضاعة ما يشترى به أَو يباع ، والمرجاة التى تدفع على صاحبها لقلتها أَو خستها أولهما وهو المتبادر من المقام ، والخسيسة قد تكون قليلة وقد تكون كثيرة ، والقليلة قد تكون خسيسة وقد تكون جيدة ، وذلك عموم وخصوص من وجه ، وكانت دراهم مزيفة تؤخذ بوضعية ، أَو صوفا وسمنا وحب السنوبر والحبة الخضراءُ المأْكولة من البطم ، ويعصر منها الزيت ، أَو الأَقط وسويق المقل ، أَو الفستق مع السنوبر وسماه بعض الحبة الخضراءُ ، ويقال المقل الدوم ، ويقال : صمغ شجرة ، والزيف يكون بخلط النحاس مثلا ، ويقال : نحاس مطلى بمعقود الزئْبق مع الكبريت ، وجعل مس الضر علة لإِيفاءِ الكيل والتصديق ، أَو المجىء بالبضاعة الزجاة علة لهما لبنائها على مس الضر ، والمراد أَوف الكيل ولا تنظر إِلى رداءَة بضاعة فتنقصه أَو اقبلها كالجيدة ، وزد على ما تسوى الجيدة أَو أَوفه برد أَخينا وتصدق علينا زيادة على ذلك كله لا فى مقابلة ثمن ، أَو التصدق برد بنيامين ، وأَخطأَ من قال : إن إِخوة يوسف أَنبياءُ لأًفعالهم فلا شك أَنه تحل لهم الصدقة لأَنها ولو حرمت على الأَنبياء كلهم لكن لم تحرم على آلهم كما حرمت على آل محمد A مثله ، وذكر بعض أنها حرمت عليهم وعلى آلهم ، ولعلهم طلبوا الصدقة لأَنفسهم ، وهم غير أَنبياءَ لا ليعقوب النبى فإما أن لا يعطوه منها وإما أَن يعطوه منها لأَنها لم تطلب له كما قال A فى لحم : « إِنه صدقة على بريرة وهدية لى » ، والمشهور أَن الصدقة حرمت على النبى A وعلى آله لا على الأنبياء قبله ، وهو المتبادر من قوله فتصدق علينا ، لكن التصدق برده بنيامين ، وأيضاَ التصدق على كل أَحد هبة والهبة لكل أَحد ، وكأَنهم قالوا : وهب لنا ، وأَيضاً تطلق على التفضل مطلقاً كما جاءَ أن القصر صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ، بقى أن يقال : الأَنسب إذا كان لنبى أَن لا تسمى صدقة ، والصدقة فى العرف ما يبتغى به الثواب ، ولذلك رد الحسن على من قال : اللهم تصدق علينا ، وقال : قل اللهم أَعطنا وتفضل علينا ، ولا يعارض بهذا الحديث؛ لأَن القائل ليس بليغاً يتصرف فى كلامه ، ولئَلا يشرع فى الناس ، أَو هو فى الحديث للمشاكلة ، وقالوا يجزى المتصدقين ، ولم يقولوا إن الله يجزيك؛ لأَنهم لا يعرفونه مؤمنا وظنوه كافراً كملوك مصر ، ولما قالوا ذلك رق لهم فقال ما فى قوله تعالى :
﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ ﴾ من الضرب والشتم والإلقاء فى البئْر والبيع والنسبة إلى السرقة والتفريق له عن أَبيه وأَهله ﴿ وأَخِيهِ ﴾ بنيامين من إِذلاله حتى لا يكلمهم إٍلا فى عجز وذل ولا يجد ذكر أَخيه يوسف إٍلا فى ذلك ، ومن تفريقهم بينه وبين يوسف ، وقولهم له لما خرج الصاع من رحله : ما رأَينا منكم يا بنى راحيل خيرا ، والاستفهام توبيخ ليتوبوا أَو تقريع كذلك ، والمراد هل علمتم قبح ما فعلتم أو عقابه من الله وفى قوله ﴿ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ تليين لهم فإِنه علمهم الاعتذار وسهل لهم لجهلهم ، جعل عمدهم كالجهل؛ كالجاهل فى عدم العمل ، أَو جاهلون سفهاءَ كأَنهم صبيان ، أَو جاهلون عاقبة أَمرى من النبوة والملك ، أعقاب فعلكم أو قبحه .