تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

31

الجزء ٤ · صفحة ٣٢٦

﴿ فَلَمَا سَمِعَتْ ﴾ سمعت امرأَة العزيز ﴿ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ بمكر النسوة ، وهو ذكرهن لها بسوءٍ على وجه لاخفاءِ ، ولما كان على وجه الخفاءِ سمى مكرا كما أَن الاحتيال فى الخداع مكر ، أَو ذكرت لهن القصة على أَن لا يذكرنها لأَحد فأَفشينها خيانة وإِرادة لإِغضابها فيكون مشاكلة ، إِذ ذكر ذلك باسم المكر لوقوعه فى صحبة ذكر الحيلة منها فى يوسف والكيد ، كقوله تعالى : ﴿ صبغة الله ﴾ أَى دين الله سماه صبغة لأَنه فى مقابلة صبغة النصارى لأَولادهم فى الماءِ الأَصفر ، أَو سماه مكرا لأَ ، المراد به التدرج إِلى رؤْية يوسف بإِراءَتها لهن ، وهذا يشبه المرك إِذ لا مكر فيه فى العادة ، وكان قد وصف لهن بالجمال الكامل ﴿ أَرسِلَتْ إِلَيْهِنَّ ﴾ من يدعوهن أَن يجثْن إِليها ، ويقال : أَرسلت إِلى أَربعين امرأَة منهن الخمس أَو الأَربع المذكورات ، ولا يتم هذا لأَن الضمير إِلى النسوة وهى دون الأَربعين؛ إِلا أَن يكون استخدام بأَن رد الضمير إلى النسوة المذكورة لا على معناهن بل على معنى الجنس ، ولا مانع من أَن يراد بنسوة الأَربعون لا خمس أَو أَربع ، وهن من أَشراف المدينة بأَن تكون الأَربعون عيرنها ، أَو أَصل الغيرة من الخمس وفشا منهن فى البواقى من الأَربعين ، والخمس سبب لدعوى من سواهن ، واختارت الكثرة لتلين عريكته وليجيب ما يرمنه ولإِسكات الخمس ولإِشاعة عذرها ، ولعدد الأَربعين استظهار على الأَعداء اللائِمين قال الله - عزوجل : ﴿ يا أيها النبى حسبك الله ومن ابتعك من المؤمنين ﴾ وهم يؤمئَذ أَربعون بعمر رضى الله عنه تم به العدد آخرا ، وكان إِرسالها إِليهن على صورة الضيافة ، ومرادها إِقامة عذرها ولا دليل على غير الخمس أَو الأَربع فهن المراد فقط ﴿ وأَعْتَدَتْ ﴾ أَحضرت ، أُصوله العين والتاءُ والدال والهمزة زائِدة كهمزة أًكرم ﴿ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ موضع اتكاءٍ وهو فراش واحد يكفى بهن ، أًو المراد أَعتدت لكل واحدة متكأَ ، والاتكاءُ القعود على اطمئْنان ، ولا يشترط فيه الميل جانباً ولو شهر الميل جانباً ، وعن ابن عباس : المتكأُ مجلس الطعام؛ لأَنهم يتكئون له كما هو عادة الشرقيين وجاءَ النهى فى الحديث عن الأَكل مع اتكاءٍ ، وقيل المتكأُ الطعام ، قال العتبى : يقال اتكأْنا عند فلان أَى أَكلنا ، ومنه بيت الإِيضاح لجميل :

فظللنا بنعمة واتكأْنا … وشربنا الحلال من قلله

أَى وأَكلنا وشربنا ﴿ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّيناً ﴾ بلا طعام أَو لحم أَو فاكهة يقطع بها ، وهى الموسى الصغيرة ﴿ وَقَالَتِ اخرُجْ علَيْهِنَّ ﴾ وقد زينته أَكمل زينة ، وقالت أَطغى اليوم فيما آمرك به واعصنى أَبدا ، فتركها لمرادها من التزين والخروج عليهن ، فخرج عليهن وبهتن فيه وشغلن عن أَنفسهن فوقعت السكين على يد كل واحدة تقطع بها ولا تشعر ، وكانت السكاكين فى غاية من الحدة .

١٬٨٢٦ / ٦٬٠٩٣