تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

52

الجزء ٤ · صفحة ٣٤٥

﴿ ذَلِك ﴾ أَى قال يوسف طلب إِظهار ذلك ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ أَى العزيز وقد بعد ذكره لكن دل عليه قوله : ﴿ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾ أَى فى أَهله ، والباءُ ظرفية متعلقة بأَخنْه ، أَى فى مكان الغيب عن وجهه ، أَو زمان الغيب عنه ، أَو متعلق بمحذوف حال من الهاءِ أَو ضمير أُخن ، وقيل : ضمير يعلم وهاء أَخنه لله D ، والصحيح الأول ﴿ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ أَى لا ينفذه فهو زائل ، وهداية الكيد مجاز عن إِنفاذه بعلاقة اللزوم ، والتنفيذ لازم للهداية ، استعارة تبعية إِذ التنفيذ كالهداية فى وصول المطلوب ، أَو لا يهدى الخائنين بكيدهم ، فالمجاز فى الإِيقاع والهداية على حقيقتها أَو وقعت على الكيد لكونها سببا لعدم الهداية ، وإِذا عدم السبب عدم مسبه بالأَولى ، وفيه تعريض لزليخاءَ أَو راعيل لأَنها خانت العزيز ، وقد يقال ضمير يعلم للملك أَى ليعلم الملك أَنى لم أَخنه فى وزيره العزيز؛ لأَن خيانة الوزير خيانة للملك ، وفى ذلك أَيضاً تأْكيد لأَمانته ، أَى لو كنت خائِنا لم يهد الله كيدى ، وسمى ثباته كيدا للمشاكلة ، أَو استعارة ، وصاحب الفعلة السيئة لا يذكر أَصحابها بسوءٍ ولا يدعو عليهم لأَن ذلك ذكر لنفسه ودعاء على نفسه ، ولكونه تأْكيدا عقبه متواضعا بقوله :

﴿ وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِى ﴾ عن السوءِ من حيث هى هى ، بل من حيث عصمه الله إِنعاما على ﴿ وَأَما بنعمة ربك فحدث ﴾ ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارةٌ بِالسُّوءِ ﴾ فتستخدم الجوارح فىلمعصية ، تميل بالطبع إِلى الشهوات وتعرض عن الطاعت ، سواءٌ أَنفس الأَبرار وأَنفس الفجار ، لاَ يمكن دفعها فى بدءِ الأَمر ، وإِنما المعتبر ثانى الحال فيقدم إِليها من لم يفارقه التوفيق ، فيجوز أَن يكون المعنى؛ ما فى وسعى أَن أَبرىءَ نفسى عن الهم بما تشتهى ، وإِنما دفعته ببرهان ، وروى أَنه لما قال : ﴿ إٍِن الله لا يهدى ﴾ إِلخ ، أَو إِذ قال : ﴿ وما أُبرىءُ ﴾ إِلخ ، أَو إِذ قال : ﴿ لم أًخنه ﴾ قالت هى أَو جبريل : ولا حين هممت ، أَو قالت : ولا حين حللت السراويل ، وأَجاز بعضهم الصغيرة على الأَنبياءِ قبل النبوة ، وأَنت خبير بأَنه لم يصح حل السراويل ، ولا الهم إِلا الخطور بل مطلق ما بالطبع لا يدخل تحت التكيليف ، فأَجابهما بقوله : ﴿ وما أُبرىءُ نفسى ﴾ فى أَحوالها ، وليس هذا إِقرار اللهم إَلا أَن يقر لجبريل عليه السلام بالهم الطبعى الذى لا يدخل تحت التكليف ، وليس قصدا إِِليها فيكون جبريل قابله بما هو طبعى تنبيها وزيادة فى اتضاعه ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّى ﴾ ما مصدرية والاستثناءُ منقطع ، والمعنى؛ ولكن رحمة ربة هى المعتبرة أَو الصارفة عن السوءِ كقوله تعالى : ﴿ ولا هم ينقذون إِلا رحمة منا ﴾

١٬٨٤٥ / ٦٬٠٩٣