تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

29

الجزء ٤ · صفحة ٣٢٥

﴿ يُوسُفُ ﴾ يا يوسف ناداه باسمه لطفاً وإِزالة لخوفه ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾ الأَمر واكتمه ولا تظهره وأَنت صادق وكأَنه غير واقع ، وحذف حرف النداءِ لأن المقام خفية أَو خفاءُ مع قرب يوسف ، والنداءُ من العزيز ، وزعم بعض أَنه من الشاهد ، وروى هذا عن ابن عباس ، والاستغفار المذكور طلب العفو والصفح من العزيز ، أَو من الله لأَنهم يقرون بالله تعالى ويعتقدون أَن القبائح عاقبة سوءٍ من الله تعالى إِن لم يغفرها ، وقد قلن حاشا لله ، وآمن بالملائكة إٍذ طال مقامه فى مصر وهو غريب أَندلسى : إِن العزيز كان قليل الغيرة ، وإِن تربة مصر تقتضى قلة الغيرة ، ولهذا لا ينشأ فيها الأسد ولو دخل لا يبقى ، ومما قال فى شأْن مصر :

أًقمنا بمصر نحو عشرين حجة … يشاهدنا ذو أَمرهم ونشاهده

ولما ننل منهم مدى الدهر طائلا … ولما نجد منهم صديقاً نوادده

ومصر تطلق على مصر القاهرة وعلى أَسوان ورشيد وما بينهما ، وشهر أَمر يوسف بين الرجال والنساءِ وتحدثوا به كما قال الله - D :

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ ﴾ خمس امرأَة صاحب الملك ، وامرأَة صاحب دوابه ، وامرأَة خازنة ، وامرأَة ساقيه ، وامرأَة صاحب سجنه ، وهو اسم جمع ، وقال الرضى : جمع يقدر له مفرد كفتية وصبية بكسر أَولهما وإِسكان ثانيهما وتأْنيثه غير حقيقى؛ لأَن المراد الجنس ، أًو الفريق ، فلم يقرن الفعل بالتاءِ ، ويقال : هن زوج الحاجب ، وزوج الساقى ، وزوج الخباز ، وزوج السجان ، وزوج صاحب الدواب ، والحاجب هو البواب ، وقال الكلبى : إِنهن أَربع بإِسقاط امرأَة الحاجب ﴿ فِى الْمَدِينَةِ ﴾ مصر متعلق بقال أَو نعت لنسوة ، وذكر المدينة لأَن قول نسائِها أَشد إِغاظة من نساءَ مدينة أُخرى أَو نساءِ البدو ﴿ امْرَأَةُ العزيزِ ﴾ هو بلسان العرب المالك ولو لم يكن عظيماً فإِنه هنا قطفير وهو وزير الريان ﴿ تُرَاوِدُ فَتَاهَا ﴾ عبدها الكنعانى يوسف ، وأَلف فتى عن ياءِ لقولهم فتيان ، وقولهم الفتوة شاذ والأَصل الفتية بوزن الفتوة ، وقيل عن واو ، وقيل لغتان : إِحداهما عن واو والأُخرى عن ياءٍ ، ويرده أَنه لم يسمع فتوان بالواو ، وفى الحديث : « لا يقل أًحدكم عبدى وأَمتى وليقل فتاى وفتاتى » ، وذلك ندب لا تحريم ، وقد قال الله D : ﴿ من عبادكم وإِمائكم ﴾ ﴿ عَن نَّفْسِهِ ﴾ وهو يمتنع منها ، والمضارع للتكرير أَى اعتادت مراودته عن نفسه ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ تمييز عن الفاعل أَى شغفها حبه أَى وصل شغاف قلبها أًى شقة ، وهو جلدة تغطى القلب يقال لها لسان القلب ، والأَولى أَن يقال : أَصاب حبها شغاف قلبها؛ لأَنه لو شق الشغاف لماتت ، فالمراد فرط الحب ، ويقال دخل وسط قلبها ، وذلك من اشتقاق الفعل من اسم الشىءِ لإِصابته كركبته ، أَصبت ركبته ، ورئئته أَصبي رئته ، وكبدته أَصبت كبده ، ورأَسته أَصبت رأسه ، أَو المراد أَ ، حبه دار بقلبها وصار لها حجاباً مانعاً لها من غيره فلا يخطر بقلبها سواه ، كما دارت الجلدة على القلب ، وقيل الشغاف جلدة رقيقة على القلب غير محيطة به كله ، وقيل : الشغاف داءٌ يصل القلب من فرط الحب ، أًى وصلت هذه المرتبة من الحب ، وقيل الشغاف رأْس القلب عند معلق النياط وقيل سويداءُ القلب ، كما قيل عن الحسن أَنه باطنه ، وعن الفارسى ، أنه وسطه ، وقيل : شغفها قتلها ، وقيل : أَجنها ، وأَول مراتب الحب الهوى؛ فالعلاقة وهى الحب اللازم للقلب فالكلف وهو شدة الحب فالمعشوق وهو ما فضل من المقدار المسمى بالحب ، والشغف بعين مهملة وهو احتراق القلب مع لذة يجدها ، وكذا اللوعة واللاعج فالشغف بإِعجام وهو أن يبلغ شغاف القلب ، فالجوى وهو الهوى الباطن ، فالمتيم وهو أن يستعبده الحب ، فالتبل وهو أَن يسقمه الحب فالتدله وهو ذهاب العقل من الحب ، فالهيوم وهو أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى ﴿ إِنَّا لِنراهَا ﴾ نعلمها يقيناً لا مجازفة ﴿ فِى ضَلاَلٍ ﴾ عن الصواب أَو الدين ﴿ مُبِينٍ ﴾ ظاهر أَو مظهر شأْنها إِذ تركت ما يتعين على أًمثالها من العفاف لرتبتها ورتبة زوجها حتى دعت هى لنفسها خادمها .

١٬٨٢٥ / ٦٬٠٩٣