تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

82

الجزء ٤ · صفحة ٣٧٤

﴿ واسأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا ﴾ اسأَل أَهل القرية التى كنا فياه وهى مصر على أنهم ردوا إليها للتفتيش ، أو قرية بعدها على أنهم لم يردوا إليها ، وتطلق القرية أيضاً على أَهلها مجازا أَو حقيقة ، وسميت القرية قرية لأنها تقرى الناس أى تجمعهم ، قريت الماء فى الحوض جمعته ، والأَولى أن المراد مصر؛ لأَن قوله : كنا فيها يناسبه أَشد القرية الأُخرى فلم يطل مكثهم فيها ، وما معنى الكون فيها إلا إلا كونهم فيها حين استخراج الصاع على هذا القول ، ومعنىقولهم اسأَل القريةَ ، أَرسل إِلى أَهلها يجيبوك لأَن يعقوب فى الشام لا فى مصر وأًعمالها ، والمراد أسأَلهم عن القصة ﴿ وَالعَِيرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ وأَهل العير التى أقبلنا فيها ، أَو العير التى أقبلنا فيها كله اسم للناس وهم غيرنا جمعنا سفر واحد ، بل الظرفية تدل على أن الأَكثر غيرهم ، أَو فى بمعنى مع فيكون المتبوع هو الأَصل فهم تابعون فتبادر أنهم أَقل والأَصل الظرفية ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ إنا قوم عادتنا لاصدق فما يكون ما أَخبرناك به إلا حقا ، وقيل : إنا لصادقون فى قولنا أَنه سرق بحسب الظاهر ، ويدل له قوله : ﴿ بل سولت ﴾ إِلخ ، وقيل المراد : اسأَل القرية والعير على ظاهرهما بناءً على أَن الأمر ظاهر حتى لا يخفى عن الجماد والإِبل كقوله :

واسأل نجوم الليل هل زار الكرى … جفنى وكيف يزور من لم يعرف

وهذا أَيضا مجاز ، هذا آخر كلام كبيرهم الذى أَمرهم أن يقولوا لأبيهم إِذا رجعوا إِليه فقالوا له : نعم نقوله : فرجعوا إٍليه وقالوه له فأجابهم بما قال اله عنه فى قوله :

﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ ليس الأَمر كما قلتم بل زينت وسهلت أَو خيلت أنه سرق وما سرق ، والإِضراب ببل عن دعواهم الصدق أَى لم تصدقوا بل سولت بمعنى أَن ما شاهدتم ولو صدقتم فيه غير خال عن تضمن ما ينقصه ، أَو الإِضراب عما يتضمنه من البراءَة عن التسبب فيما نزل بأخيهم كما أَفتوا باسترقاق السارق ، وليس من دين الملك وفى معنى ذلك تقدير المحذوف أَى ليس حقيقة كما أخبرتهم بل سولت ، أَو الإضراب عن جعلتم وجود الصواع فى رحله الإِفتاءِ وما فعلوا بيوسف ، أَو إِضراب عن جعلهم وجود الصواع فى رحله سرقة ﴿ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ فعلتموه كيدا فى إِهلاكه أَو تغييبه ، وهبوا أنه سرق فمن أَدرى الملك أَن السارق يسترق شرعا ليعقوب والأَنبياء قبله ، وقد علمه من قولهم : ﴿ جزاؤه من وجد فى رحله ﴾ وإنما سعى فى أن لا يخبروه لأَنه يظن أَن الملك مشرك حاشاه ، والمشرك لا يملك موحدا كما أَن دماءَ المشركين والموحدين لا تتكافأُ ﴿ فصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أَى فأَمرى صبر جميل ، أَو فصبر جميل أَحسن ، أَو فالواجب صبر جميل ، أَو فعلى صبر جميل ، من الصبر الجميل أَن لا تتحدث بمصيبتك ولاتزكى نفسك ، اتهمهم لا رأى منهم فى يوسف ولعلم الملك بالاسترقاق ، واستفيد أَن الظن ، ولو قويت أَماراته وكان من أَفاضل الناس لا يؤمن كذبه فهذا يعقوب صفى الله ظن وأَخطأَ فى هذا الظن لأنه لا كيد لهم فى إِمساك بنيامين ﴿ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ يكمل لى إِتيانهم جميعا فقد جاءَ واحد وهو كبيرهم ، رجع بعد ما قال :

١٬٨٧٤ / ٦٬٠٩٣