54
الجزء ٤ · صفحة ٣٤٧﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنفْسِى ﴾ من شأْن الملوك أَن يؤثروا أَنفسهم بما هو نفيس كأًرض فى الربيع زاهرة وجوهرة لا يوجد مثلها ، ووزير عظيم الشأْن وعالم ماهر ، فاختار يوسف مختصاً به لكماله صبراً وعلمً وإِحساناً وأَدباً وعبيراً وورعاً ، وهذا جواب لمحذوف أَى لما عبر الرؤيا قال : ﴿ إِيتونى به أَستخلصه لنفسى ﴾ فيكون ثانياً إِيتونى به أَختص به لأَمانته وفوائده ، فعاد الرسول الأَول إِلى يوسف فى السجن بعد التعبير وهو فى السجن وقال : أَجب الملك فى الحين واطرح ثياب السجن والبس ثياباً حسناة جدداً ، واغتسل ، فقام وودع أهل السجن ودعا لهم ولأَهل السجن مطلقاً : اللهم عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأَخبار ، قيل : فمن ذلك يوجد فى السجن من الأُخبار ما لا يوجد فى غيرها ، ثم اغتسل وليس ثياباً حسنة ، وكتب على باب السجن من خارج : هذا بيت البلوى ، وقبر الأَحياءَ ، وشماتة الأَعداءِ ، وتجربة الأَصدقاءِ ودخل على الملك فكلمه وشاهد منه الملك الرشد ﴿ فَلَمَّا كَلَّمهُ ﴾ وشاهد منه ما يوجب الرغبة فيه ، والضمير فى كلم ليوسف والهاءُ للملك ، سلم عليه بالعربية فقال الملك : ما هذا اللسان؟ قال : لسان عمى إِِسماعيل ، ودعا له بالعبرانية فقال الملك : ما هذا اللسان؟ قال : لسان آبائى ، وكان الملك يتكلم بسبعين لغة ولا يعرف العربية والعبرانية ، وكلما كلمه بلسان أَجابه بما تكلم به وزاد بالعربية والعبرانية ، فأعجبه أَمره مع صغر سنه ابن ثلاثين سنة فأَجلسه إِلى جنبه ، وقيل : الضمير فى كلم للملك والهاءُ ليوسف؛ لأَن الداخل بالسلام والثناءِ فكذا فعل يوسف ، وقد روى أَنه لما أَراد الدخول قال : حسبى آخرتى من دنياى ، وحسبى ربى من خلقه ، عز جارك ، وجل ثناؤُك ، لا إِله غيرك ، ولما دخل على الملك قال : اللهم إِنى أَسأْلك من خيره وأَعوذ بعزتك وقدرتك من شره ، ولكن هذا قد يقوله سراً ، أَو حيث لا يسمعه الملك ، ويقدر فأَتوا به ، ودخل على الملك فكلمه فلما كلمه ، والحذف للدلالة على سرعة الإِتيان به ، كأَنه اتصل بقوله : فلما كلمه ، وروى أَنه قال له : أَحب أَيها الصديق أَن أَسمع تفسير رؤْياى من لسانك ففسرها كما ذكرها عنه الرسول بلا نقص ولا زيادة ولا تقديم ولا تأْخير ، ولم يكن حاضراً مع النسوة فى المجلس ، وزعم بعض أَنه حاضر ، وأَن معنى إِتونى به قربوه إِلى ﴿ قَالَ ﴾ الملك ﴿ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ ﴾ الظرفان متعلقان بمكين ، والمراد باليوم عصرى ﴿ أَمِينٌ ﴾ ذو تمكن ورسوخ فى قلوبنا وملكنا ، والجاه على أَموالنا وأَحوالنا من أُمور السلطنة والوزارة ، وقيل : أَمين من كل مكروه لا تخاف مما مر عليك ، فماذا ترى أَيها الصديق فى أَمر السبع الخصبة والسبع المدية؟ قيل : ابتلاهم الله بالسبع المجدبة لأَنه أَقام فى السجن سبعاً وهو مظلوم ، فقال : أَجمع الطعام وأَكثر الحرث فى السنين المخصبة وأًخزن الحبوب للناس ، والتبن والقصب أَيضاً للدواب ، وتأْمر الناس أَن يرفعوا الخمس من زورعهم فيكفيك لأَهل مصر ومن حولها ، ويأْتيك الناس من سائِر النواحى للميرة فيجتمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد قط ، ولو زرعت على حجر لأَنبت وأَثمر؛ وذلك من الله - D - ، وروى أَنه لما قال : أُحب أَن أَسمع منك قال : رأَيت سبع بقرات سمان خرجن من النيل يقطرن لبناً ونظرت إِليهن معجباً فغار النيل فخرج من طيبنه سبع عجاف بأَنياب وأَضراس ، وأَكف الكلاب وخراطيم السباع فأَكلن لحوم السمان ومخهن ، وأَنت تنظر معجباً إِذا لم يسمن ، ورأيت سبع سنابل خضراً وسبعاً يابسات فى منبت واحد ماءٍ ، وترى وأَنت تتعجب فى اختلافهن مع اتحاد المنبت فهبت ريح أَضرمت اليابسات على الخضر فانبهت مذعوراً ، فقال : والله ما أَخطأْت فيم رأَيت فى المنام ، وما رؤْياى بأَعجب من علمك به ، كأَنك الرائِى ، ومن تفسيرها ، ولما قال : اجمع الطعام فتأْتيك أَهل النواحى للميرة ، قال : من لى بذلك الحرث والخزائِن وذلك التصرفات وأَهل مصر كلهم لو جمعتهم ما طاقوا ذلك ، وليسوا مأْمونين على ذلك فمن يكفينى ذلك؟ فقال يوسف ما قال الله D عنه :