تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

30

الجزء ٤ · صفحة ٤٣٣

أَقول لهم بالشعب إذ يأْسروننى … أَلم تيأَسوا أَنى ابن فارس زهدم

وقال رباح بن عدى :

ألم ييأَس الأَقوال أَنى أَنا ابنه … وإن كنت عن أَرض العشيرة نائيا

والهمزة مما بعد الفاءِ ، أَو يقدر : أَغفلوا أو أطمعوا فلم ييأَس الذين آمنوا ، وواو غفلوا الذين آمنوا على التنازع ، قال بعض الصحابة للنبى A : ادع الله فيفعل لك ما طلبوه ، فنزلت الآية ﴿ أَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ إلى الإيمان تعليل للاستفهام الإنكارى ، وقد أجاز قوم التعلق بأَحرف المعانى ، كأَنه قيل : بطلت غفلتكم وعدم إياسكم ، لأنه لو يشاءُ الله ، أَو بأَنه ، والهاءُ للشأْن ، أَو يتعلق بمحذوف ، أَى لا يؤمنون؛ لأَنه لو شاء الله يأْمنوا ، أَو ييأَس بمعنى يعلم على لغة هوازن ، أَو قوم من النخع ، أو لغة النخع ، أو يستعمل اليأْس فى معنى العلم؛ لأَن الآيس من الشىءِ عالم بأَنه لا يكون ، كالرجاءِ بمعنى الخوف ، والنسيان بمعنى الترك ن وذلك أَن اليأْس مسبب عن علمهم بأَن إيمانهم الميئوس منه لا يكون إلا معلوما ، وأَما تفسير اليأْس بمعنى التبين فنظر إلى حاصل المعنى لا الصناعة؛ لأَنه لم يقل : للذين بلام الجر ﴿ وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ من أهل مكة ﴿ تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا ﴾ بما صنعوه من الشرك والمعاصى وجورهم ، أَو بصنعهم والباءُ سببية ﴿ قارِعَةٌ ﴾ فعلة من الله ضاربة لهم كقتل وأسر وحرب وجدب وغارة على مواشيهم ، أو يقدر داهية قارعة ، لكن داهية يحتاج معها إلى تقدير موصوف مؤنث أيضا بحسب الأصل ، أَو يقدر عذاب قارعة ، على أن التاءَ للمبالغة ﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾ تلك القارعة ، أَو أَنت يا محمد ﴿ قَرِيباً مِّنْ دَارِهِمْ ﴾ مكة كما حللت من مكة عام الحديبية ، ويبحث بأنه لا دليل على تخصيص كفار مكة ، وبأن حلوله يوم الحديبية لا يمتد إلى إتيان وعد الله ، إِلا أَن يقال : حتى غاية إصابة القارعة ، وبأَن حلوله فيها للعمرة لا للقتال وصدوه إلى قابل ﴿ حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللهِ ﴾ موعوده من النصر لك عليهم بالفتح ، أَو موتهم بلا قتل ، فمنهم من مات بالقتل كمامر ، ومنهم من مات ذليلا حزينا كأَبى لهب ، ولا يصح التفسير بيوم القيامة؛ لأَن الأَمر انفصل بفتح مكة ، إِلا على معنى لم تخافون ذلك ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ الوعد ولا الوعيد؛ لأَنه لا يكذب ولا تبدو له البداواغت ، وقد أنجز الله - جل جلاله - وعده وسلى الله رسوله A بقوله : ﴿ ولَقَدْ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ ﴾ عظام كثيرين ﴿ مِنْ قَبْلِك ﴾ وهدد قومه بما فعل بأُمم الرسل قبله فى قوله ﴿ فَأمْلَيْتُ ﴾ أَمهلت ملاوة من الزمان أى مدة فى تمتع كالبهيمة فى المرعى مدة ﴿ لِلَّذِينَ كَفرُوا ﴾ من أُممهم ، دل هذا على أن فاعل الاستهزاءِ هو الذين كفروا إذ لا يستهزىُ أَحد ، ويجازى غيره على استهزائِه ، لا تزر وازرة وزر أُخرى ، والآمر باشلاءِ كفاعله ، فقد يهلك الآمر دون المأمور الفاعل بأَن تاب من فعله ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ عن حياتهم وملاذهم ومصالحهم وأَملاكهم بالإهلاك ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ لهم استفهام وتعجيب وتعظيم ، أى هو واقع موقعه من الشدة والعدل والبعث به فى حال خلو بالهم منه ، وحال الفرج ، ورجاءِ الخير ، وذلك أشد ، وكذلك أفعل بالمستهزئين منك يا محمد ، فالآية تسلية له A .

١٬٩٣٣ / ٦٬٠٩٣