تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

54

الجزء ٥ · صفحة ٢٦

﴿ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى ﴾ بالولد ﴿ عَلى أَنْ مَسَّنِىَ الْكِبرُ ﴾ على مس الكبر إياى ومس زوجى ، كما فى غير هذه السورة ، الاستفهام للتعجب من أَن يولد له وهو على مائَة سنة أَو مائة وعشرين من ذات تسعين أَو مائة على ما فى ذلك من أَقوال ، وعلى للاستعلاءِ المجازى متعلق ببشر ، وكذا إِن جعل للمصاحبة ، ولا حاجة إلى تعليقه بمحذوف حال ، وأجيز أَن يكون للإنكار ، وفيه أَن الإِنكار تكذيب للرسل وهم الملائِكة حاشاه عن تكذيبهم إِلا أن يقال : لم يعلم أَنهم ملائِكة حين قالوا ذلك بعد ، لكن لا مانع على هذا أن يجعل الاستفهام حقيقياً ملائِكة على طريق شدة الحيرة فى ذلك والوله وضعف البشر أَو على طريق أَن لا ولادة عادة فى مثل كبرى ، أَو على طريق أَن مثلى فى السن يكره الولادة فلا تكون بشارة له ، ولا ينقص ذلك أَنهم جعلوه تبشيراً لأَنه يرجع عليه إِلى أَنه بشارة ويفرح بالولد ، وهذه الأَوجه كلها أَيضاً فى قوله ﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ ﴾ وزاد وجها آخر ، وهو أَن يكون استفهاماً حقيقياً مع علمه بأَنهم ملائِكة بمعنى فعلى أَى وجه يكون التبشير ، ويجوز أَن يكون الإنكار فى الموضعين بمعنى : أَن نفسى نافية لذلك ، ولو كان حقاً ، وإِذا كان هذا استفهاماً عن طريق أَو كيفية فالملائكة لم يجيبوه عليها ، لأَن الأَحسن له لا يسأَل عنها بل يصدق ويفرح ﴿ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ ﴾ بأَمر غير باطل بل واقع ولا بد ، أَو بأَمر أَيقناه لا نتردد فيه ، والباءُ متعلق ببشر أَو بشرناك ، ونحن على الحق فى تبشيرنا ، فتعلق بحال محذوف أَى ملتبسين بطريق هو الله وأَمره ، وإِبراهيم عليه السلام مؤْمن بقدرة الله D ، لكن صورة كلامه كصورة القانط فقالوا عليها ﴿ فَلاَ تَكُن مِّن الْقَانِطِينَ ﴾ كما قال كيف تحيى الموتى فقال D : أَو لم تؤْمن ، والقانط الآيس ، وأَضرب عن صورة القنوط إلى التصريح بما رسخ فى قلبه بقوله :

﴿ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ ﴾ أَى لا يقنط منها إلا الضالون ، والله قادر على أن تلد لى عجوز عاقر وأنا كبير ، وقد خلق أَبى آدم بلا أب ولا أُم ، وقد يقال فى الآية نوع تعريض منه عليه السلام بأَنهم لم يصيبوا فى نهيهم إياه عن القنوط مع أَنه غير صادر منه ، على أَنه لم يعلمهم ملائِكة إلا بعد ، وعلى علمه بهم أَشار إلى أَن فى كلامهم غلظة ، والمالك لا يخطأَ ، لكن توجع عليه السلام بقولهم ، والضالون المخطئُون عن معرفة سعة رحمة الله وقدرته .

٢٬٠٢٦ / ٦٬٠٩٣