تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

233

الجزء ١ · صفحة ٢٨١

« اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوانا ما أحييتنا ، واجعلها الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا » ﴿ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة ﴿ فَإِنْ أَرَادَا ﴾ الأب والأم ﴿ فِصَالاً ﴾ فطاماً قبل الحولين لولدهما ﴿ عَنْ تَرَاضٍ ﴾ اتفاق متعلق بصادراً محذوفاً أو ثابتاً ، أى صادراً عن تراض ، أو ثابتاً عن تراض ، أو بأرادا ﴿ مِّنْهُمَا ﴾ لا برضاء من أحدهما فقط ، لاحتمال أن تمل الأم من إرضاعه والقيام به ، أو يبخل الأب بالأجرة فيضر الولد ، واعتبرت الأم مع أن الولى الأب ، لأنها أشفق على الولد وأصبر له وأنظر لمصلحته ﴿ وَتَشَاوُرٍ ﴾ استخراج رأيهما ، من شار العسل بشوره ، أى استخرجه ، وذلك لحلاوة النصح ، كالعسل ، والمراد التشاور بينهما لولاية الأب بالنفقة والأم بالشفقة ، ولو اتفقنا على فصل قبل الحولين مع مضرة الولد بذلك لم يجز ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ فى ذلك الفصال قب الحولين ، وكما يجوز الفصال قبل الحولين باتفاقهما مع عدم مضرة الولد يجوز اتفاقهما على الزيادة على الحولين ، بل قدر يجوز دخول هذا فى الآية ، لأن التنكير فى فصالا للإيذان بأنه فصال غير متعارف ، وكما يحصل عدم التعارف بالنقص يحصل بالزيادة ، وقوله : « فإن أرادا فصالاً . . . » الخ مقابل لقوله : « يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، وإن أرادت الزيادة بلا أجرة ، وكانت نفعاً للولد لم تمنع ، أو ضرّاً منعت ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ ﴾ غير أمهاتكم ، فحذف المفعول الثانى ، أى تجعلوا أولادكم راضعين غير أمهاتهمن أى ماضين لهن ، أو حذف الأول ، أى تصيرونهن مرضعات ، أى مصيرات الأولاد ماضين ، وإنما يراد غير الأمهات لمضرة فيهن ، كبرص أو جذام ، أو لإرادتهن التزوج ، أو لطلبهن ما فوق أجرة المثل ، قال بعض الشافعية : أو وجد الأب من يرضعهم بلا أجرة ، أو بأجرة أقل مما طلبت الأم ، وقد صلحت لهم غير أمهاتهم ، وقيل : إذا أرادتهم الأمهات بأجرة المثل فهن أولى ممن يرضعنهم بلا أجرة أو بأقل ، وحق الإرضاع للأب ، وواجب على إطلاقه عند الشافعى ، وأن له أن يمنع الأم من إرضاعه ، ومذهبنا ومذهب الحنفية ، أن الأم أحق بإرضاع ولدها ، وأنه ليس للأب منعها من الإرضاع إذا رضيت ، لقوله تعالى : « والوالدات يرضعن أولادهن » فحق الإرضاع للأم ، وإن كان مندوباً وليس بواجب عليها ، وإلا لم يكن للأمر كبير فائدة ، فإن الأب إن قدر أن يمنع الأم إذا رضيت بالإرضاع فكيف تمتثل الأمر ، فإطلاق ما هنا مقيد بما هنالك ، وكأنه قيل : وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ورضيت الأم ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ فى استرضاع غير الأمهات ﴿ إِذَا سَلَّمْتُم ﴾ أعطيتم ، أى نويتم تسليما ، لا مكرا ﴿ مَّآ ءَاتَيْتُمْ ﴾ أثبتم بالعقد والوعد ، ولا يشترط النقد ، كأنه قيل : إذا أثبتم فى العقد للأجرة ما من شأنه أن يثبت ، سواء نقدا ، أو عاجلا أو آجلا ، وقيل : المراد فى الآية النقد ، إرشاداً للمصلحة ، وتطييباً لنفس المرضعة ، لا شرطاً ، لكن أخرج مخرج الشرط تأكيداً ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ فى الإعطاء ، وفيما يعطى ، وفى القول والمعاملة الحسنة ﴿ وَاتَّقُواْ اللهَ ﴾ فى كل شئونكم من شأن الأزواج والمراضع والأولاد ﴿ وَاعْلَمُوآ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ لا تخفى عليه تقواكم أو معصيتكم .

٢٨١ / ٦٬٠٩٣